ذلك أن مراد الله تعالى من توجيه الشرائع وإرسال الرسل ، ليس مجرد قرع الأسماع بعبارات التشريع أو التذوق لدقائق تراكيبه ، بل مراد الله تعالى مما شرع للناس هو عملهم بتعاليم رسله وكتبه ، ولما كان المراد من ذلك هو العمل ، فجعل الله الشرائع مناسبة لقابيليات المخاطبين بها ، وجارية على قدر قبول عقولهم ومقدرتهم ، ليتمكنوا من العمل بها بدوام وانتظام ، فلذلك كان المقصود من التدين أن يكون ذلك التعليم الديني دأبا وعادة لمنتحليه ، وحيث النفوس لا تستطيع الانصياع إلى ما لا يتفق مع مدركاتها ، لا جرم تعين مراعاة حال المخاطبين فِي سائر الأديان ، ليمكن للأمم العمل بتعاليم شرائعها بانتظام ومواظبة.
وقد كانت أحوال الجماعات البشرية ، فِي أول عهود الحضارة ، حالات عكوف على عوائد وتقاليد بسيطة ، ائتلفت رويدا على حسب دواعي الحاجات ، وما تلك الدواعي ، التي تسببت فِي ائتلاف تلك العوائد ، إلا دواع غير منتشرة ؛ لأنها تنحصر فيما يعود على الفرد بحفظ حياته ، ودفع الآلام عنه ، ثم بحفظ حياة من يرى له مزيد اتصال به ، وتحسين حاله ، فبذلك ائتلف نظام الفرد ، ثم نظام العائلة ، ثم نظام العشيرة ، وهاته النظم المتقابسة هي نظم متساوية الأشكال ؛ إذ كلها لا يعدو حفظ الحياة ، بالغذاء والدفاع عن النفس ، ودفع الآلام بالكساء والمسكن والزواج ، والانتصار للعائلة وللقبيلة ؛ لأن بها الاعتزاز ، ثم ما نشأ عن ذلك من تعاون الآحاد على ذلك ، بإعداد المعدات: وهو التعاوض والتعامل ، فلم تكن فكرة الناس تعدو هذه الحالة ، وبذلك لم يكن لأحد الجماعات شعور بما يجري لدى جماعة أخرى ، فضلا عن التفكير فِي اقتباس إحداهما مما يجري لدى غيرها ، وتلك حالة قناعة العيش ، وقصور الهمة وانعدام الدواعي فإذا حصلت الأسباب الآنفة عد الناس أنفسهم فِي منتهى السعادة.