-يخبر تعالى في الآيتين الثالثة والرابعة أنه أنزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم بالحق الذي لا شك فيه ولا ريب، وأن هذا الكتاب يصدق الكتب المنزلة قبله من
السماء، وكما أنزل هذا القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم، أنزل التوراة على موسى، وأنزل الإنجيل على عيسى عليهما السلام، من قبل أن ينزل هذا القرآن، من أجل هداية الناس؛ وهذا من مقتضى قيوميته أن يهدي عباده ويبين لهم الطريق، وكما أنزل التوراة والإنجيل هدى للناس من قبل، فقد أنزل هذا القرآن هاديا، فارقا بين الهدى والضلال، والحق والباطل، والغي والرشاد، بما ذكر الله فيه من الحجج والبينات، والدلائل الواضحات، القاطعة، وبينه ووضحه وفسره ليهدي ويرشد وينبه، وإذا كان هذا مقتضى ألوهيته ووحدانيته وقيوميته؛ فقد وجب على الخلق أن يهتدوا ويؤمنوا ويعلموا؛ فمن لم يفعل فقد استحق العذاب. ومن ثم ذيلت الآية بتقرير استحقاق العذاب الشديد يوم القيامة للذين جحدوا بآيات الله، وأنكروها، وردوها - وما ردوها إلا بالباطل - ثم وصف الله - عزّ وجل - ذاته بالعزة، فهو منيع الجناب، عظيم السلطان، ووصف ذاته بالانتقام لمن كذب بآياته، وخالف رسله الكرام، وأنبياءه العظام.
-وفي الآية الخامسة يخبر تعالى أنه يعلم غيب السماء والأرض، لا يخفى عليه شيء من ذلك، وهذا مرتبط بموضوع الألوهية والقيومية، فالإله الحق لا بد أن يكون عليما بكل شيء، وبدون علم لا تكون القيومية.
-ويدلل تعالى - في الآية السادسة - على إحاطة علمه، بتصويرنا في أرحام أمهاتنا كما يشاء، من حسن وقبح وصفات وخصائص تحير عقل المتأمل!! فأي علم عظيم
علمه جل جلاله؟!! وكما دل على إحاطة علمه في الآية الخامسة بتصويرنا في الأرحام دلل في الآية السادسة على إحاطة علمه بإنزاله هذا القرآن على ما هو عليه؛ إذ أخبر في الآية السابعة أنه أنزل هذا القرآن وجعل آياته نوعين. النوع الأول: الآيات المحكمات، أي: البينات الواضحات الدلالة التي لا تلتبس على أحد. والنوع الآخر:
الآيات التي فيها اشتباه في الدلالة على كثير من الناس - أو بعضهم - وذلك امتحان لعباده من أجل أن يردوا ما اشتبه إلى الواضح منه، ويحكموا محكمه في متشابهه.