الْوَجْه الأربعون أن الله تَعَالَى وصف أهل النَّار بِالْجَهْلِ وَأخْبَر أنه سد عليهم طرق الْعلم فَقَالَ تَعَالَى حِكَايَة عَنْهُم {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (11) }
فَأخْبرُوا أنهم كَانُوا لَا يسمعُونَ وَلَا يعْقلُونَ، والسمع وَالْعقل هما أصل الْعلم وَبِهِمَا ينَال وَقَالَ تَعَالَى {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179) }
فأخبر سُبْحَانَهُ أنهم لم يحصل لَهُم علم من جِهَة من جِهَات الْعلم الثَّلَاث وَهِي الْعقل والسمع وَالْبَصَر، كَمَا قَالَ فِي مَوضِع آخر {صم بكم عمي فهم لَا يعْقلُونَ} وَقَالَ تَعَالَى في سورة الحج {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46) }
وَقَالَ تَعَالَى {وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (26) }
فقد وصف أهل الشَّقَاء كَمَا ترى بِعَدَمِ الْعلم، وشبههم بالأنعام تَارَة، وَتارَة بالحمار الَّذِي يحمل الأسفار، وَتارَة جعلهم أضل من الأنعام، وَتارَة جعلهم شَرّ الدَّوَابّ عِنْده، وَتارَة جعلهم أمواتا غير أحياء، وَتارَة أخبر أنهم فِي ظلمات الْجَهْل والضلال، وَتارَة أخبر أن على قُلُوبهم أكنة وَفِي آذانهم وقرا وعَلى أبصارهم غشاوة، وَهَذَا كُله يدل على قبح الْجَهْل وذم أهله وبغضه لَهُم، كَمَا أنه يحب أهل الْعلم ويمدحهم ويثني عَلَيْهِم كَمَا تقدم وَالله الْمُسْتَعَان.
الْوَجْه الْحَادِي والأربعون مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ من حَدِيث مُعَاوِيَة رضى الله عَنهُ قَالَ سَمِعت رَسُول الله يَقُول"من يرد الله بِهِ خيرا يفقهه فِي الدّين"