الْوَجْه التَّاسِع وَالثَّلَاثُونَ أنه سُبْحَانَهُ سمى الْحجَّة العلمية سُلْطَانا قَالَ ابْن عَبَّاس رضى الله عَنهُ كل سُلْطَان فِي الْقُرْآن فَهُوَ حجَّة وَهَذَا كَقوله تَعَالَى: {قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (68) }
يَعْنِي مَا عنْدكُمْ من حجَّة بِمَا قُلْتُمْ أن هُوَ إلا قَول على الله بِلَا علم وَقَالَ تَعَالَى {إِن هِيَ إِلَّا أَسمَاء سميتموها أَنْتُم وآباؤكم مَا أنزل الله بهَا من سُلْطَان}
يَعْنِي مَا أنزل بهَا حجَّة وَلَا برهانا بل هِيَ من تِلْقَاء أنفسكم وآبائكم وَقَالَ تَعَالَى {أم لكم سُلْطَان مُبين فَأتوا بِكِتَابِكُمْ إِن كُنْتُم صَادِقين}
يَعْنِي حجَّة وَاضِحَة فأتوا بهَا إِن كُنْتُم صَادِقين فِي دعواكم إِلَّا موضعا وَاحِدًا اخْتلف فِيهِ وَهُوَ قَوْله {مَا أغْنى عني ماليه هلك عني سلطانيه}
فَقيل المُرَاد بِهِ الْقُدْرَة وَالْملك أَي ذهب عني مَالِي وملكي فَلَا مَال لي وَلَا سُلْطَان.
وَقيل هُوَ على بَابه أَي انْقَطَعت حجتي وَبَطلَت فَلَا حجَّة لي.
وَالْمَقْصُود أن الله سُبْحَانَهُ سمى علم الْحجَّة سُلْطَانا لأنها توجب تسلط صَاحبهَا واقتداره فَلهُ بهَا سُلْطَان على الْجَاهِلين بل سُلْطَان الْعلم أعظم من سُلْطَان الْيَد، وَلِهَذَا ينقاد النَّاس للحجة مَا لا ينقادون لليد، فإن الْحجَّة تنقاد لَهَا الْقُلُوب، وأما الْيَد فَإِنَّمَا ينقاد لَهَا الْبدن، فالحجة تأسر الْقلب وتقوده وتذل الْمُخَالف وإن أظهر العناد والمكابرة فقلبه خاضع لَهَا ذليل مقهور تَحت سلطانها بل سُلْطَان الجاه إن لم يكن مَعَه علم يساس بِهِ فَهُوَ بِمَنْزِلَة سُلْطَان السبَاع والأسود وَنَحْوهَا قدرَة بِلَا علم وَلَا رَحْمَة بِخِلَاف سُلْطَان الْحجَّة فَإِنَّهُ قدرَة بِعلم وَرَحْمَة وَحِكْمَة، وَمن لم يكن لَهُ اقتدار فِي علمه فَهُوَ إما لضعف حجَّته وسلطانه، وإما لقهر سُلْطَان الْيَد وَالسيف لَهُ، وإلا فالحجة ناصرة نَفسهَا ظَاهِرَة على الْبَاطِل قاهرة لَهُ.