وَقَالَ تَعَالَى في سورة الجمعة {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (2) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (3) ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (4) }
يَعْنِي وَبعث فِي آخَرين مِنْهُم لما يلْحقُوا بهم.
وَقد اخْتلف فِي هَذَا اللحاق الْمَنْفِيّ فَقيل هُوَ اللحاق فِي الزَّمَان أَي يتَأَخَّر زمانهم عَنْهُم وَقيل هُوَ اللحاق فِي الْفضل والسبق وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فامتن عَلَيْهِم سُبْحَانَهُ بأن علمهمْ بعد الْجَهْل وهداهم بعد الضَّلَالَة ويالها من منَّة عَظِيمَة فَاتَت المنن وجلت أن يقدر الْعباد لَهَا على ثمن.
الْوَجْه الثَّامِن وَالثَّلَاثُونَ أن أول سُورَة أنزلها الله فِي كِتَابه سُورَة الْقَلَم فَذكر فِيهَا مَا من بِهِ على الإنسان من تَعْلِيمه مَا لم يعلم فَذكر فِيهَا فَضله بتعليمه وتفضيله الْإِنْسَان بِمَا علمه إياه وَذَلِكَ يدل على شرف التَّعْلِيم وَالْعلم فَقَالَ تَعَالَى {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) }
فَافْتتحَ السُّورَة بالأمر بِالْقِرَاءَةِ الناشئة عَن الْعلم وَذكر خلقه خُصُوصا وعموما فَقَالَ {الَّذِي خلق خلق الْإِنْسَان من علق اقْرَأ وَرَبك الأكرم}