الْوَجْه الثَّامِن وَالْعشْرُونَ أنه سُبْحَانَهُ ذكر عباده الْمُؤمنِينَ بِهَذِهِ النِّعْمَة وَأمرهمْ بشكرها وَأَن يذكروه على إسدائها إليهم فَقَالَ تَعَالَى {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (151) فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (152) } .
الْوَجْه التَّاسِع وَالْعشْرُونَ أنه سُبْحَانَهُ لما أخبر مَلَائكَته بِأَنَّهُ يُرِيد أن يَجْعَل فِي الأرض خَليفَة قَالُوا لَهُ {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) }
إلى آخر قصَّة آدم وَأمر الْمَلَائِكَة بِالسُّجُود لآدَم فَأبى إبليس فلعنه وَأخرجه من السَّمَاء.
وَبَيَان فضل الْعلم من هَذِه الْقِصَّة من وُجُوه:
أحدها أنه سُبْحَانَهُ رد على الْمَلَائِكَة لما سَأَلُوهُ كَيفَ يَجْعَل فِي الأرض من هم أطوع لَهُ مِنْهُ فَقَالَ {إني أعْلَم مَا لا تعلمُونَ}
فَأجَاب سُؤَالهمْ بِأَنَّهُ يعلم من بواطن الأمور وحقائقها مَا لا يعلمونه وَهُوَ الْعَلِيم الْحَكِيم، فَظهر من هَذَا الْخَلِيفَة من خِيَار خلقه وَرُسُله وأنبيائه وصالحي عباده وَالشُّهَدَاء وَالصديقين وَالْعُلَمَاء وطبقات أهل الْعلم والإيمان من هُوَ خير من الْمَلَائِكَة، وَظهر من إبليس من هُوَ شَرّ الْعَالمين فَأخْرج سُبْحَانَهُ هَذَا وَهَذَا، وَالْمَلَائِكَة لم يكن لَهَا علم لَا بِهَذَا وَلَا بِهَذَا وَلَا بِمَا فِي خلق آدم وإسكانه الأرض من الحكم الباهرة.