السعادة ولذا عدها من النعم في سورة الْفَاتحَة وقسمها إلَى موهبي وكسبي. والموهبي
روحاني وجسماني الخ. فمتاع الدُّنْيَا وإن ذكر للذم هنا للتنفير عن التوغل فيه لكن لا كلام
في كونه نعمة إذا كان وسيلة إلَى الوصول إلَى النعم الْأُخْرَويَّة وهي الْمُرَاد هنا(وأعلاها
رضوان الله)إما مُطْلَقًا أو اللقاء مُسْتَثْنَى منه وهو الظَّاهر؛ إذ مراده بيان ما ذكر في هذه الآية.
لقَوْله تَعَالَى (وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ) (وأوسطها الجنة ونعيمها) أي نعيمها
[الجسماني] . قيل ولذا ذكرت في الأوسط حتى يكون التركيب الوصفي مناسبًا للترتيب الطبعي.
فعلم منه وجه تأخير رضوان الله وهو [لسلوك] مسلك الترقي في بيان النعم.
قَوْلُه تَعَالَى: (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ(16)
قوله: (صفة لِلْمُتَّقِينَ) فـ [حِينَئِذٍ] يكون قوله (وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ)
جملة معترضة. وجه الاعتراض وعد لِلْمُتَّقِينَ ووعيد للفاجرين فلا فصل فيه بين الصّفَة
ومَوْصُوفها بأجنبي.
قوله: (أو للعباد) أي عَلَى تقدير أن يكون الْمُرَاد بالعباد المتقين فلا بعد فيه أصلا
وعلى كلا التقديرين فالصّفَة مادحة ويؤيده قوله (أو مدح منصوب أو مرفوع) أو مخصصة
إن أريد بالتَّقْوَى المرتبة الأولى وهو الاجتناب عن الشرك المخلد، والتقى بتحقق النعوت
الآتية في الْجُمْلَة فـ [حِينَئِذٍ] تكون الصّفَة أَيْضًا مادحة.
قوله: (ففي ترتب السؤال عَلَى مجرد الإيمان دليل عَلَى أنه كافٍ) أي بدون عمل
صالح فقولهم آمَنَّا إخبار عن ليرتبوا إيمانهم السؤال عليه فالمراد به الاستعطاف؛ إذ لا فَائدَة
في الخبر الْمَذْكُور ونحوه ولا لازمه.
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
المنفعة الجسمانية الحسية، والثاني العظيم وهو الْمُرَاد بالرضوان وذلك لأن معرفة أهل الجنة مع
[النعيم] المقيم بأنه تَعَالَى راضٍ عنهم حامد لهم مثنٍ عليهم أزيد في إيجاب السرور من تلك
المنافع، وأما الحكماء فإنهم قالوا الجنات بما فيها إشَارَة إلَى الجنة الجسمانية، والرضوان إشَارَة إلَى
الجنة الروحانية وأعلى المقامات الجنة الروحانية وهي عبَارَة عن تجلي نور جلال الله تَعَالَى في
روح العبد واسْتغْرَاق العبد في معرفته ثم يصير في أول هذه المقامات راضيًا عن الله تَعَالَى وفي
آخرها مرضيًا عنده تَعَالَى، وإليه الإشارة بقوله: (راضية مرضية) ونظير هذه الآية.
(وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ [خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ] وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ
الْعَظِيمُ) ثم قال (وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) أي عالم بمصالحهم
فيجب أن يرضوا لأنفسهم ما اختاره لهم من نعيم الْآخرَة وأن يزهدوا فيما زهدهم فيه من نعيم
الدُّنْيَا وأمورها.
قوله: صفة لِلْمُتَّقِينَ ذكر في إعراب مَوْضع الَّذينَ يقولون وجوهًا: الأول أنه أخفض عَلَى أنه
صفة للَّذينَ اتقوا. وتقدير الآية: للَّذينَ اتقوا الَّذينَ يقولون، ويجوز أن يكون صفة للعباد أي بصير
بالعباد الَّذينَ يقولون كذا وكذا، والثاني أن يكون نصبًا عَلَى المدح، والثالث أن يكون رفعًا عَلَى
المدح والتقدير هم الَّذينَ يقولون.