وفي الآية احتمال خامس وهو أن أول الآية قد بينا أنه خطاب مع اليهود فيكون المراد: ترون أيها اليهود المشركين مثلي المؤمنين فِي القوة . وههنا بحث وهو أن الاحتمال الأول والثاني يقتضي أن المعدوم صار مرئياً ، والاحتمال الثالث يوجب أن يكون الموجود والحاضر غير مرئي . أما الأول فهو محال عقلاً والقول به سفسطة فلهذا قيل: لعل الله تعالى أنزل الملائكة حتى صار عسكر المسلمين كثيراً . وعلى هذا تكون الرؤية البصر ، ويكون {مثليهم} نصباً على الحال ، أو تحمل الرؤية على الظن والحسبان فإن من اشتد خوفه قد يظن فِي الجمع القليل أنه فِي غاية الكثرة ، لكن قوله: {رأى العين} لا يجاوب ذلك إذ معناه رؤية ظاهرة مكشوفة لا لبس فيها معاينة كسائر المعاينات . وأما الثاني فهو جائز عند الأشاعرة إذ عند حصول الشرائط وصحة الحاسة لا يكون الإدراك واجب الحصول بل يكون عندهم جائزاً لا واجباً والزمان زمان خوارق العادات . وأما المعتزلة فعندهم الإدراك واجب الحصول عند استجماع الشروط وسلامة الحس ، فاعتذروا عن ذلك بأن الإنسان عند الخوف لا يتفرغ للتأمل البالغ ، فقد يرى البعض دون البعض . أو لعل الغبار صار مانعاً عن إدراك البعض ، أو خلق الله تعالى فِي الهواء ما صار مانعاً عن رؤية ثلث العسكر ، أو يحدث فِي عيونهم ما يستقل به الكثير كما أحدث فِي أعين الحول ما يرون به الواحد اثنين وكل ذلك محتمل . {والله يؤيد بنصره من يشاء} إما بالغلبة كيوم بدر ، وإما بالحجة والعاقبة كيوم أحد . {إن فِي ذلك} الذي ذكره من الآية {لعبرة} نوع عبور وهو المجاوزة من منزل الجهل إلى مقام العلم {لأولي الأبصار} ذوي العقول التي تصير القضايا معها كالمشاهد المعاين . ثم ذكر ما هو كالشرح والبيان لمعتبر الإنسان وهو أنه {زين للناس} اللذات الجسمانية والآخرة . وهي عالم الروحانيات - خير وأبقى ، وأنها معدة لمن واظب على العبودية واتصف بالخصال الحميدة . وأما ما يتعلق