لأن الله جل وعلا لم يشرع العبادة لينفذها الإنسان ، وينقذ نفسه من عذاب النار ، لا ؛ إننا نرى كثيرا من الناس - إذا ما لا حظنا واقع الحياة - إذا وجدوا رئيسا قوى الشكيمة وقوانينه صارمة فِي أن الموظفين تحت يده يجب أن يحضروا صباحا فِي الميعاد المحدد ، وأن ينصرفوا فِي الميعاد المحدد ، ولا يسمح لهم بالاشتغال بغير العمل ، فلا يشربون الشاي ، ولا يقرأون الصحف ولا يقابلون الأصدقاء ، وغير ذلك من الأعمال. ويأتي واحد من الموظفين فيقول عن هذا الرئيس"إنه شديد المراس ، ولذلك فليس له عندي إلا أن أحضر فِي الثامنة إلا خمس دقائق ، ولن أنصرف إلا فِي الثانية وخمس دقائق ، ولن أقرأ الصحف ولن أفعل أي شيء مما يمنعه". إن هذا الموظف يفعل ذلك بجبروت واستعلاء على رئيسه حتى لا يسمح له بنقد أو تجريح ، فهذا الموظف ممتثل ولكن باستعلاء.
إنها طاعة بلا حب ، ولكنها باستعلاء. وقد يحاول عبد أن يقول: ماذا يطلب الله مني ؟ ألا يطلب منى الصلاة والزكاة وإقامة العبادات ؟ سوف أفعل ذلك. لمثل هذا العبد نقول: لا ، إن الله يطلب العبادة بحب منك وخشوع واطمئنان ، لأن التكليف من الحق صدقة أخرى أجراها الله على العبد. إن الحق سبحانه وتعالى قد كلف العبد بالتكاليف الإيمانية ، حتى يكون الإنسان سويا وله قيمة فِي الحياة.
إن معنى"قانت"هو العبد الذي يؤدي عبادة ربه بخشوع ، وباطمئنان ، وباستدامة. لماذا ؟ لأن الذي يقبل على الطاعة ثم ينصرف عنها كأنه قد جرب وده لله فلم يجد الله أهلا للود. أما العبد الطائع فهو لا ينصرف عن العبادة ، لأنه ذاق حلاوة استدامة العبادة لله ، وما دام قد أدرك حلاوة العبادة فهو يقبل عليها بخشوع ، واطمئنان ، واستدامة ، ويدخل فِي دائرة القانتين.