وما يعلم تأويل المتشابه إلا الله، فهو مما استأثر الله بعلمه، أو ما خالف ظاهر اللفظ فيه المراد منه، فلا يعلم حقيقته إلا الله.
ويرى جماعة من الصحابة كأبي بن كعب وعائشة وابن عباس وابن عمر الوقوف على لفظ الجلالة، فلا يعلم تأويل المتشابه إلا الله، وأما الراسخون في العلم فكلام مستأنف، يقولون: آمنا به لأنه تعالى وصفهم بالتسليم المطلق لله تعالى، والعارف بالشيء لا يعبر عنه بالتسليم المطلق أو المحض.
ويرى جمهرة من الصحابة كابن عباس، وتبعهم كثير من المفسرين وأهل
الأصول أنه لا يوقف على لفظ الجلالة، والراسخون معطوف عليه، على معنى:
لا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم. قال ابن عباس: أنا من الراسخين الذين يعلمون تأويله. فالمتشابه يعلمه الراسخون لأن الله تعالى ذم الذين يبتغون التأويل بقصد الفتنة والإضلال، ذاهبين فيه إلى ما يخالف المحكم، والراسخون في العلم ليسوا كذلك، فهم أهل اليقين الثابت الذي لا اضطراب فيه، إذ يفهمون المتشابه بما يتفق مع المحكم.
وأما قوله تعالى: يَقُولُونَ: آمَنَّا فهو كلام مستأنف، لا ينافي العلم، فهم يجعلون المحكم هو الأساس، ويؤمنون بأن كلا من المحكم والمتشابه من عند الله، وكلاهما حق وصدق، وكل واحد منهما يصدق الآخر، ويدل لذلك
أن النبي صلّى الله عليه وسلّم دعا لابن عباس بقوله: «اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل» .
والحكمة من وجود المتشابه مع العلم بأن القرآن نزل هاديا للناس: هو تمييز الصادق الإيمان من ضعيفة، وبيان فضيلة الراسخين في العلم الذين ينظرون ويبحثون لأنهم يعلمون ويفهمون ما خوطبوا به، وإن لم يعلموا بحقائق الأشياء، ولهذا قال تعالى: وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ أي إنما يفهم ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها الصحيح أولو العقول السليمة، والفهوم المستقيمة. ووصف النبي صلّى الله عليه وسلّم الراسخين في العلم-