قال اللَّه جلَّ قوله: (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ...(11)
أي: إن هؤلاء سلكوا في دينهم على تكذيب آياتنا، كدأب من كان
قبلهم فأهلكنا أولئك بذنوبهم، فهل ينتظر هؤلاء إلا مثل أيام الذين خلوا من قبلهم.
ثم قال - عز وجل - لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ(12)
هذا إنذار منه - جلَّ جلالُه - للكافرين بمآل حالهم وعاقبة كفرهم،
وبشارة للمؤمنين بالفتح عليهم والنصرة لهم، فقد كان من ذلك ما شاء الله كفتح
جزيرة العرب وإهلاك كسرىَ، وكثير من أجناس أنواع الكفر، وسيكون إن شاء الله
إهلاك قيصر واجتياح ممالك الدجال - لعنه الله - ويأجوج ومأجوج.
ثم صرف - جلَّ جلالُه - وجه الخطاب إلى كفار قريش بقوله جلَّ قوله: (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ ...(13) . يريد - جلَّ جلالُه - في غزوة بدر (يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ)
من قرأ"ترونهم"بالتاء منقوطة باثنتين من فوقها، فمعناه: إن الكفار
كانوا يُرَونَ للمؤمنين مثليهم.
ومن قرأ بالياء، فمعنى ذلك: إن الكفار كانوا يرون المسلمين مثل أنفسهم؛
أعني: مثل الكفار، وهذه القراءة أحق، إذ قد ثبت أن المؤمنين كانوا يومئذٍ ثلاثمائة
وبضعة عشر، وكان الكافرون يومئذ يزيدون على ألف.
وقرأ ابن عبَّاسٍ وغيره:"يُرونهم"برفع الياء.
وقرأها أبو عبد الرحمن:"تُرونهم"برفع التاء.
جمع ذلك قوله الحق:(وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ
فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا)وكان ذلك حين العزم على
الزحف والمهاجمة، وكان قد كثر المؤمنين في أعينهم، ثم عند العزم قلل هؤلاء عند
هؤلاء وهؤلاء عند هؤلاء، ليقضي الله أمره.
قال الله - جلَّ جلالُه -: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ