إن قيل: كيف أطلق هذا الحكم وقد كان منهم من آمن؟
قيل: إن الحشر إلى النار متعلّق بوجود الكفر منهم، وإذا ارتفع الكفر
ارتفع به الحكم.
وقوله: (وَبِئْسَ الْمِهَادُ) يجوز أن يكون من جملة
ما أُمِرَ به أن يقال لهم، ويجوز أن يكون استئنافَ كلام منه تعالى.
قوله عز وجل: (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ(13)
العبرة: ما يُعبر به من الجهل إلى العلم، ومن الحسِّ إلى العقل.
وأصله من عبور النهر، ومنه: العِبارة؛ لأنها جُعلت كالمعبر.
لتأدية المعنى من نفس القائل إلى نفس السامع، وخُص التعبير
بتفسير الرؤيا، وباعتبار المَرْأونَ بالشبح، وجعل العَبرْة للدمعة
السائلة، وأصله فَعْله مِن عبر.
وقوله: (فِئَةٌ) يجوز رفعه على الاستئناف على تقدير: منهم فئة.
والجر على البدلِ، والنصب على الحال، ونحوه مما يجوز فيه الأوجه الثلاثة قول الشاعر:
وكنت كذي رجلين رجل صحيحة... ورجل رمى فيها الزمان فشلت
وإنما يجوز البدل فيما إذا كان بدل بقدر المبدَل منه، فأما إذا
نقص فليس إلا الاستئناف، نحو مررت بثلاثة: صريع وجريحٌ.
والآية معطوفة على ما تقدم تقديره: وقل لهم قد كان لهم آية.
وقُرئ (ترونهم) بالتاء على أن يكون خطابًا لليهود، أي
ترون المشركين مثلي المسلمين فِي العدد، ويرون بالياء أي يرون
المسلمون الكافرين مثليهم.
إن قيل: ما وجه ذلك وقد كانوا
ثلاثة أمثالهم، فقد رُوي أن المشركين كانوا تسعمائة وخمسين إلى
ألف، والمسلمين كانوا ثلاثمائة وبضعة عشرة؟
قيل فِي ذلك أقوال:
أحدها: ما قاله الفرّاء: وهو أن يقول الرجل لغيره: