يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ أنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا عِنْدَ حُلُولِ عُقُوبَتِنَا بِهِمْ، كَسُنَّةِ آلِ فِرْعَوْنَ وَعَادَتِهِمْ، وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْأُمَمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا، فَأَخَذْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ حِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا، فَلَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا حِينَ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا كَالَّذِي عُوجِلُوا بِالْعُقُوبَةِ عَلَى تَكْذِيبِهِمْ رَبَّهُمْ مِنْ قَبْلِ آلِ فِرْعَوْنَ مِنْ قَوْمِ نُوحٍ وَقَوْمِ هُودٍ وَقَوْمِ لُوطٍ وَأَمْثَالِهِمْ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ} فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: كَسُنَّتِهِمْ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَاهُ: كَعَمَلِهِمْ
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ: كَتْكِذِيبِ آلِ فِرْعَوْنَ
وَأَصْلُ الدَّأْبِ مِنْ دَأَبْتِ فِي الْأَمْرِ دَأَبًا: إِذَا أَدْمَنْتُ الْعَمَلَ وَالتَّعَبَ فِيهِ. ثُمَّ إِنَّ الْعَرَبَ نَقَلَتْ مَعْنَاهُ إِلَى الشَّأْنِ وَالْأَمْرِ وَالْعَادَةِ كَمَا قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ بْنُ حُجْرٍ:
[البحر الطويل]
وَإِنَّ شِفَائِي عَبْرَةٌ مُهَرَاقَةٌ ... فَهَلْ عِنْدَ رَسْمٍ دَارِسٍ مِنْ مُعَوَّلِ
كَدَأْبِكَ مِنْ أُمِّ الْحُوَيْرِثِ قَبْلَهَا ... وَجَارَتِهَا أُمِّ الرَّبَابِ بِمَأْسَلِ
يَعْنِي بِقَوْلِهِ كَدَأْبِكَ: كَشَأْنِكَ وَأَمْرِكَ وَفِعْلِكَ، يُقَالُ مِنْهُ: هَذَا دَأْبِي وَدَأْبُكَ أَبَدًا، يَعْنِي بِهِ فِعْلِي وَفِعْلَكَ وَأَمْرِي وَأَمْرَكَ، وَشَأْنِي وَشَأْنَكَ، يُقَالُ مِنْهُ: دَأَبْتُ دُؤُوبًا وَدَأَبًا، وَحُكِيَ عَنِ الْعَرَبِ سَمَاعًا: دَأَبْتُ دَأَبًا مُثَقَّلَةً مُحَرَّكَةَ الْهَمْزَةِ، كَمَا قِيلَ: هَذَا شَعَرٌ وَبَهَرٌ، فَتَحَرَّكَ ثَانِيهِ؛ لِأَنَّهُ حَرْفٌ مِنَ الْحُرُوفِ السِّتَّةِ، فَأُلْحِقَ الدَّأْبُ إِذْ كَانَ ثَانِيهِ مِنَ الْحُرُوفِ السِّتَّةِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الطويل]
لَهُ نَعَلٌ لَا يَطَّبِي الْكَلْبَ رِيحُهَا ... وَإِنْ وُضِعَتْ بَيْنَ الْمَجَالِسِ شُمَّتِ
وَأَمَّا قَوْلُهُ {وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ: وَاللَّهُ شَدِيدٌ عِقَابُهُ لِمَنْ كَفَرَ بِهِ وَكَذَّبَ رُسُلَهُ بَعْدَ قِيَامِ الْحِجَّةِ عَلَيْهِ