يَعْنِي بِالرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ الْعُلَمَاءَ الَّذِينَ قَدْ أَتْقَنُوا عِلْمَهُمْ وَوَعَوْهُ فَحَفِظُوهُ حِفْظًا لَا يَدْخُلُهُمْ فِي مَعْرِفَتِهِمْ وَعِلْمِهِمْ بِمَا عَلِمُوهُ شَكٌّ وَلَا لَبْسٌ، وَأَصْلُ ذَلِكَ مِنْ رُسُوخِ الشَّيْءِ فِي الشَّيْءِ، وَهُوَ ثُبُوتُهُ وَوُلُوجُهُ فِيهِ، يُقَالُ مِنْهُ: رَسَخَ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِ فُلَانٍ فَهُوَ يَرْسُخُ رَسْخًا وَرُسُوخًا.
وَقَدْ رُوِيَ فِي نَعْتِهِمْ خَبَرٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَأَبِي أُمَامَةَ، قَالَا: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنِ الرَّاسِخُ فِي الْعِلْمِ؟ قَالَ: «مَنْ بَرَّتْ يَمِينُهُ، وَصَدَقَ لِسَانُهُ وَاسْتَقَامَ لَهُ قَلْبُهُ، وَعَفَّ بَطْنُهُ، فَذَلِكَ الرَّاسِخُ فِي الْعِلْمِ»
وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ: إِنَّمَا سَمَّى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ بِقَوْلِهِمْ: {آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا}
وَأَمَّا تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: {يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ} فَإِنَّهُ يَعْنِي: أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ صَدَّقْنَا بِمَا تَشَابَهَ مِنْ آيِ الْكِتَابِ وَأَنَّهُ حَقٌّ وَإِنْ لَمْ نَعْلَمْ تَأْوِيلَهُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا}
يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثناؤُهُ: {كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} كُلُّ الْمُحْكَمِ مِنَ الْكِتَابِ وَالْمُتَشَابِهِ مِنْهُ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا، وَهُوَ تَنْزِيلُهُ وَوَحْيُهُ إِلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
عَنِ الضَّحَّاكِ، فِي قَوْلِهِ: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} "يَعْمَلُونَ بِهِ، يَقُولُونَ: نَعْمَلُ بِالْمُحْكَمِ وَنُؤْمِنُ بِهِ، وَنُؤْمِنُ بِالْمُتَشَابِهِ وَلَا نَعْمَلُ بِهِ، وَكُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا."
«وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي حُكْمِ» كُلٍّ"إِذَا أُضْمِرَ فِيهَا."