لِلنَّاسِ آيَةٌ.
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: إِنَّمَا قِيلَ: {هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ} وَلَمْ يُقَلْ: «هُنَّ أُمَّهَاتُ الْكِتَابُ» عَلَى وَجْهُ الْحِكَايَةِ، كَمَا يَقُولُ الرَّجُلَ: مَا لِي أَنْصَارٌ، فَتَقُولُ: أَنَا أُنْصَارُكَ، أَوْ مَا لِي نَظِيرٌ، فَتَقُولُ: نَحْنُ نَظِيرُكَ. قَالَ: وَهُوَ شَبِيهُ «دَعْنِي مِنْ تَمْرَتَانِ» ، وَأَنْشَدَ لِرَجُلٍ مِنْ فَقْعَسٍ:
تَعَرَّضَتْ لِي بِمَكَانٍ حَلِّ ... تَعَرُّضَ الْمُهْرَةِ فِي الطِّوَلِّ
تَعَرُّضًا لَمْ تَأْلُ عَنْ قَتْلًا لِي
حَلَّ أَيْ يَحِلُّ بِهِ، عَلَى الْحِكَايَةِ، لِأَنَّهُ كَانَ مَنْصُوبًا قَبْلَ ذَلِكَ، كَمَا يَقُولُ: نُودِيَ: الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ، يَحْكِي قَوْلَ الْقَائِلِ: الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ، وَقَالَ: قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا هِيَ أَنَّ قَتْلًا لِي وَلَكِنَّهُ جَعَلَهُ «عَنْ» لِأَنَّ أَنَّ فِيَ لُغَتِهِ تُجْعَلُ مَوْضِعَهَا «عَنْ» وَالنُّصْبُ عَلَى الْأَمْرِ، كَأَنَّكَ قُلْتَ: ضَرْبًا لِزَيْدٍ، وَهَذَا قَوْلٌ لَا مَعْنَى لَهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ هَذِهِ الشَّوَاهِدِ الَّتِي اسْتَشْهَدَ بِهَا، لَا شَكَّ أَنَّهُنَّ حِكَايَاتُ حَالِتِهِّنَ بِمَا حَكَى عَنْ قَوْلِ غَيْرِهِ وَأَلْفَاظِهِ الَّتِي نَطَقَ بِهِنَّ، وَأَنَّ مَعْلُومًا أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثناؤُهُ لَمْ يَحْكِ عَنْ أَحَدٍ قَوْلَهُ: أُمُّ الْكِتَابِ، فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: أَخْرَجَ ذَلِكَ مَخْرَجَ الْحِكَايَةِ عَمَّنْ قَالَ ذَلِكَ كَذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ {وَأُخَرُ} فَإِنَّهَا جَمْعُ أُخْرَى.
ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي الْعِلَّةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا لَمْ يُصْرَفْ «أُخَرُ» فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ يُصْرَفْ «أُخَرُ» مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا نَعْتٌ وَاحِدَتُهَا أُخْرَى، كَمَا لَمْ تُصْرَفْ جُمُعُ وَكُتَعُ؛ لِأَنَّهُنَّ نُعُوتٌ.
وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا لَمْ تُصْرَفِ الْأُخَرُ لِزِيَادَةِ الْيَاءِ الَّتِي فِي وَاحِدَتِهَا، وَأَنَّ جَمْعَهَا مَبْنِيُّ عَلَى وَاحِدِهَا فِي تَرْكِ الصَّرْفِ، قَالُوا: وَإِنَّمَا تُرِكَ صَرْفُ أُخْرَى، كَمَا تُرِكَ صَرْفُ حَمْرَاءَ وَبَيْضَاءَ فِي النَّكِرَةِ وَالْمَعْرِفَةِ لِزِيَادَةِ الْمُدَّةِ فِيهَا وَالْهَمْزَةِ بِالْوَاوِ، ثُمَّ افْتَرَقَ جَمْعُ حَمْرَاءَ وَأُخْرَى، فَبُنِيَ جَمْعُ أُخْرَى عَلَى وَاحِدَتِهِ،