وناظر أبو عمرو بن العلاء عمرو بن عبيد فقال: ما تقول فِي أصحاب الكبائر؟ فقال: إن الله وعد وعداً وأوعد إيعاداً . فهو منجز إيعاده كما هو منجز وعده . فقال أبو عمرو إنك أعجم لا أقول أعجم اللسان ولكن أعجم القلب ، لأن العرب تعدّ الرجوع عن الوعد لؤماً وعن الايعاد كرماً وأنشد:
وإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمكذب إيعادي ومنجز موعدي
وذلك أن الوعد حق عليه ، والوعيد حق له ، ومن أسقط حق نفسه فقد أتى بالجود والكرم ، ومن أسقط حق غيره فذلك هو اللؤم فهذا هو الفرق بين الوعد والوعيد . على أنا لا نسلم أن الوعيد ثابت جزماً من غير شرط بل هو مشروط بعدم العفو فلا يلزم من تركه دخول الكذب فِي كلام الله تعالى . ثم إنه سبحانه لما حكى عن المؤمنين دعاءهم وتضرعهم حكى كيفية حال الكافرين وشدة عذابهم فقال: {إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً} وقيل: المراد وفد نجران وذلك أنا روينا فِي قصتهم أن أبا حارثة بن عقلمة قال لأخيه: إني أعلم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حقاً ، ولكي إن أظهرت ذلك أخذ ملوك الروم مني ما أعطوني من المال . فالله تعالى بيَّن أن أموالهم وأولادهم لا تدفع عنهم عذاب الله فِي الدنيا والآخرة ، لكن خصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ .
واعلم أن كمال العذاب هو أن يزول عنه كل ما كان منتفعاً به ويجتمع عليه جميع الأسباب المؤلمة . أما الأول فإليه أشار بقوله: {لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم} لأنهما أقرب الأمور التي يفزع إليها المرء عند الخطوب .