وقلت قديما فِي معنى كلمة"الغصب": إنه أخذ وسلب شيء من إنسان صاحب حق بقوة ، وهذا أمر معنوي له صورة مشهدية ؛ لأن الذي يسلخ الجلد عن الشاة نسميه غاصباً. ولنر كيف يكون أخذ الحق من صاحبه ، إنه كالسلخ تماماً ، فالكلمة تأتي للإيضاح.
وكلمة"ذنب"وكلمة"عقوبة"مترابطتان ؛ فكلمة"ذنب"مأخوذة من مادة ذنب ؛ لأن المادة كلها تدل على"التالي"والذَنَب يتلو المقدمة فِي الحيوان. والعقاب هو ما يأتي عقب الشيء .
إذن فهناك ذنب وهناك عقاب. لكن ماذا قبل الذنب ، وماذا يتلو العقاب ؟ لا يوجد ذنب إلا إذا وُجِدَ نص يُجرّم ، فلا ذنب إلاّ بنص. فليس كل فعل هو ذنب ، بل لابد من وجود نص قبل وقوع الذنب. يجرّم فعله ؛ ولذلك أخذ التقنين الوضعي هذا الأمر ، فقال: لا يمكن أن يعاقب إنسان إلا بتجريم ، ولا تجريم إلا بنص ، فلا يمكن أن يأتي إنسان فجأة ويقول: هذا العمل جريمة يعاقب عليها. بل لابد من التنبيه والنص من قبل ذلك على تجريم هذا العمل.
إنه لا عقوبة إلا بتجريم ، ولا تجريم إلا بنص. فالنص يوضح تجريم فعل نوع ما من العمل ، وإن قام إنسان بهذا العمل فإنه يُجّرم ، ويكون ذلك هو الذنب ، فكأن الذنب جاء تالياً لنص التجريم. والعقاب يأتي عقب الجريمة ، وهكذا نجد أن كلا من الذنب والجريمة يأخذان واقع اللفظ ومدلوله ومعناه ؛ فالذَّنَبُ هو التالي للشيء . ولذلك يسمون الدلو الذي يملأونه بالماء"ذَنُوبَاً"لأنه هو الذي يتلو الحبل. وأيضا الجزاء فِي الآخرة:
{فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذَنُوباً مِّثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلاَ يَسْتَعْجِلُونِ} [الذاريات: 59] .