ولماذا لم يستمر هذا الأمر ، وجاءت القوانين الرومانية والإنجليزية والفرنسية وغيرها ؟ لأنهم جربوا على القائمين بأمر الدين أنهم خرجوا عن نطاق التوجيه السماوي إلى خدمة أهوائهم ، فلاحظ الناس أن هؤلاء الكهنة يحكمون فِي قضية بحكم ما يختلف عن حكم آخر فِي قضية متشابهة. إنهم القضاة أنفسهم والقضايا متشابهة متماثلة ، لكن حكم الهوى يختلف من قضية إلى أخرى ، بل وقد يتناقض مع الحكم الأول ، فقال الناس عن هؤلاء الكهنة:
لقد خرجوا عن منطق الدين واتبعوا أهواءهم ، ليثبتوا لهم سلطة زمنية ، فنحن لم نعد نأمنهم على ذلك. وخرج التقنين والحكم من يد الكهنة ورجال الدين إلى غيرهم من رجال التقنين. لقد كان أمر القضاء بين الكهنة ورجال الدين ؛ لأن الناس افترضت فيهم أنهم يأخذون الأحكام من منهج الله ، فلما تبين للناس أن الكهنة ورجال الدين لا يأخذون الحكم من منهج الله ، ولكن من الهوى البشري ، عند ذلك أخذ الناس زمام التقنين لأنفسهم بما يضمن لهم عدالة ما حتى ولو كانت قاصرة.
وبمناسبة كلمة الهوى نجد أن هناك ثلاثة ألفاظ:
أولا: الهواء هو ما بين السماء والأرض ، ويراد به الريح ويحرك الأشياء ويميلها وجمعه: الأهوية وهذا أمر حسي. ثانيا: الهوَى: وهو ميل النفس ، وجمعه: الأهواء ، وهو مأخوذ من هَوِىَ يَهْوَى بمعنى مال.
ثالثا: الهَويّ: بفتح الهاء وضمها وتشديد الياء وهو السقوط مأخوذ من هَوَى يَهْوي: بمعنى سقط. وهذا يدل على أن الذي يتبع هواه لابد أن يسقط ، والاشتقاقات اللغوية تعطي هذه المعاني.
إنها متلاقية. إذن الراسخون فِي العلم يقفون ثابتين عند منهج الله. وأما الذين يتبعون أهواءهم فهم يميلون على حسب ميل الريح. فإن الريح مالت ، مالوا حيث تميل.