إن الأمرين متساويان ، سواء وقفت عند حد علم الله للتأويل أو لم تقف. فالمعنى ينتهي إلى شيء واحد. وحيثية الحكم الإيماني للراسخين فِي العلم هي قوله الحق على لسانهم: {يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} فالمحكم من عند ربنا ، والمتشابه من عند ربنا ، وله حكمة فِي ذلك ؛ لأنه ساعة أن يأمر الأعلى الأدنى بأمر ويبين له علته فيفهم الأدنى ويعمل ، وبعد ذلك يلقي الأعلى الأمر آخر ولا يبين علته ، فواحد ينفذ الأمر وإن لم يعرف العلة ، وواحد آخر يقول: لا ، عليك أن توضح لي العلة. فهل الذي آمن آمن بالأمر أو بالعلة ؟
إن الحق يريد أن نؤمن به وهو الآمر ، ولو أن كل شيء صار مفهوماً لما صارت هناك قيمة للإيمان. إنما عظمة الإيمان فِي تنفيذ بعض الأحكام وحكمتُها غائبة عنك ؛ لأنك إن قمت بكل شيء وأنت تفهم حكمته فأنت مؤمن بالحكمة ، ولست مؤمناً بمن أصدر الأمر.
وعندما نأتي إلى لحم الخنزير الذي حرمه الله من أربعة عشر قرناً ، ويظهر فِي العصر الحديث أن فِي أكل لحم الخنزير مضار ، ويمتنع الناس عن أكله لأن فيه مضار ، فهل امتناع هؤلاء أمر يثابون عليه ؟ طبعاً لا ، لكن الثواب يكون لمن امتنع عن أكل لحم الخنزير لأن الله قد حرمه ؛ ولأن الأمر قد صدر من الله ، حتى دون أن يَعْرِّفنا الحكمة ، إن المؤمن بالله يقول: إن الله قد خلقني ولا يمكن - وهو الخالق - أن يخدعني وأنا العبد الخاضع لمشيئته.
إن العبد الممتنع عن أكل لحم الخنزير وشرب الخمر امتثالاً لأمر الله ، هو الذي ينال الثواب ، أما الذي يمتنع خوفاً من اهتراء الكبد أو الإصابة بالمرض فلا ثواب له. وهناك فرق بين الذهاب إلى الحكم بالعلة. وبين الذهاب إلى الحكم بالطاعة للآمر بالحكم.