إن الحق يريد أن يعطي الإنسان دربة حتى لا يأخذ المسألة برتابة بليدة ويتناولها تناول الخامل ويأخذها من الطريق الأسهل ، بل عليه أن يستقبلها باستقبالٍ واع وبفكر وتدبر.
{أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ} [محمد: 24] .
كل ذلك حتى يأخذ العقل القدر الكافي من النشاط ليستقبل العقل العقائد بما يريده الله ، ويستقبل الأحكام بما يريده الله ، فيريد منك فِي العقائد أن تؤمن ، وفي الأحكام أن تفعل {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ} . والذين فِي قلوبهم زيغ يحاولون التأويل وتحكمهم أهواؤهم ، فلا يصلون إلى الحقيقة. والتأويل الحقيقي لا يعلمه إلا الله.
قد رأينا من يريد أن يعيب على واحد بعض تصرفاته فقال له: يا أخي أتَدّعي أنك أحطت بكل علم الله ؟ فقال له: لا. قال له: أنا من الذي لا تعلم. وكأنه يرجوه أن ينصرف عنه.
والعلماء لهم وقفات عند قوله الحق: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللَّهُ} : بعضهم يقف عندها ويعتبر ما جاء من بعد ذلك وهو قوله الحق: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} كلاماً مستأنفاً ، إنهم يقولون: إن الله وحده الذي يعلم تأويل المتشابه ، والمعنى: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} أي الثابتون فِي العلم ، الذين لا تغويهم الأهواء ، إنهم: {يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا} وهو ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم ، إن الراسخين فِي العلم يقولون: إن المحكم من الآيات سيعلمون به ، والمتشابه يؤمنون به ، وكل من المتشابه والمحكم من عند الله.
أمّا مَن عطف وقرأ القول الحكيم ووقف عند قوله: {وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ} نقول له: إن الراسخين فِي العلم علموا تأويل المتشابه ، وكان نتيجة علمهم قولهم: {آمَنَّا بِهِ} .