فَإِنَّ الشَّخْصَ وَالْجَسَدَ أَجْسَامٌ ، وَالرَّبَّ - جَلَّ جَلَالُهُ - لَيْسَ بِجِسْمٍ ، فَإِنْ خَطَرَ لَهُ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يُرِدْ هَذَا فَمَا الَّذِي أَرَادَ ؟ فَيُقَالُ لَهُ: أَنْتَ إِذَا عَجَزْتَ عَنْ فَهْمِ نُزُولِ الْبَعِيرِ مِنَ السَّمَاءِ فَأَنْتَ عَنْ فَهْمِ نُزُولِ اللهِ - تَعَالَى - أَعْجَزُ ، فَلَيْسَ هَذَا بِوُسْعِكَ فَاتْرُكْهُ ، وَاشْتَغِلْ بِعِبَادَتِكَ أَوْ حِرْفَتِكَ وَاسْكُتْ ، وَاعْلَمْ أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ مَعْنًى مِنَ الْمَعَانِي الَّتِي
يَجُوزُ أَنْ تُرَادَ بِالنُّزُولِ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ وَيَلِيقُ ذَلِكَ الْمَعْنَى بِجَلَالِ اللهِ - تَعَالَى - وَعَظَمَتِهِ ، وَإِنْ كُنْتَ لَا تَعْلَمُ حَقِيقَتَهُ وَكَيْفِيَّتَهُ .
مِثَالٌ آخَرُ: إِذَا سَمِعَ لَفْظَ الْفَوْقِ فِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ [6: 18] وَفِي قَوْلِهِ - تَعَالَى -: يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ [16: 5] فَلْيَعْلَمْ أَنَّ الْفَوْقَ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ يُطْلَقُ لِمَعْنَيَيْنِ ; أَحَدُهُمَا: نِسْبَةُ جِسْمٍ إِلَى جِسْمٍ بِأَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَعْلَى وَالْآخَرُ أَسْفَلَ ، يَعْنِي: أَنَّ الْأَعْلَى مِنْ جَانِبِ رَأْسِ الْأَسْفَلِ ، وَقَدْ يُطْلَقُ لِفَوْقِيَّةِ الرُّتْبَةِ ، وَبِهَذَا الْمَعْنَى يُقَالُ: الْخَلِيفَةُ فَوْقَ السُّلْطَانِ وَالسُّلْطَانُ فَوْقَ الْوَزِيرِ ، وَكَمَا يُقَالُ الْعِلْمُ فَوْقَ الْعِلْمِ ، وَالْأَوَّلُ: يَسْتَدْعِي جِسْمًا يُنْسَبُ إِلَى جِسْمٍ .