(قَالَ) : وَأَمَّا التَّفْسِيرُ الثَّانِي لِلْمُتَشَابِهِ ، وَهُوَ كَوْنُهُ لَيْسَ قَاصِرًا عَلَى أَحْوَالِ الْآخِرَةِ بَلْ يَتَنَاوَلُ غَيْرَهَا مِنْ صِفَاتِ اللهِ الَّتِي لَا يَجُوزُ فِي الْعَقْلِ أَخْذُهَا عَلَى ظَاهِرِهَا وَصِفَاتِ الْأَنْبِيَاءِ الَّتِي مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ نَحْوِ قَوْلِهِ - تَعَالَى -: وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ [4: 171] فَإِنَّ هَذَا مِمَّا يَمْنَعُ الدَّلِيلُ الْعَقْلِيُّ السَّمْعِيُّ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى ظَاهِرِهِ ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي يَأْتِي الْخِلَافُ فِي عِلْمِ الرَّاسِخِينَ بِتَأْوِيلِهِ - كَمَا تَقَدَّمَ - فَالَّذِينَ قَالُوا بِالنَّفْيِ جَعَلُوا حِكْمَةَ تَخْصِيصِ الرَّاسِخِينَ بِالتَّسْلِيمِ وَالتَّفْوِيضِ هِيَ تَمْيِيزُهُمْ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ وَإِعْطَاءُ كُلٍّ حُكْمَهُ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا وَأَمَّا الْقَائِلُونَ بِالْإِثْبَاتِ الَّذِينَ يَرُدُّونَ مَا تَشَابَهَ ظَاهِرُهُ مِنْ صِفَاتِ اللهِ أَوْ أَنْبِيَائِهِ إِلَى أُمِّ الْكِتَابِ الَّذِي هُوَ الْمُحْكَمُ وَيَأْخُذُونَ مِنْ مَجْمُوعِ الْمُحْكَمِ مَا يُمَكِّنُهُمْ مِنْ فَهْمِ الْمُتَشَابِهِ ، فَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ إِنَّهُ مَا خَصَّ الرَّاسِخِينَ بِهَذَا الْعِلْمِ إِلَّا لِبَيَانِ مَنْعِ غَيْرِهِمْ مِنَ الْخَوْضِ فِيهِ ، قَالَ: فَهَذَا خَاصٌّ بِالرَّاسِخِينَ لَا يَجُوزُ تَقْلِيدُهُمْ فِيهِ ، وَلَيْسَ لِغَيْرِهِمِ التَّهَجُّمُ عَلَيْهِ ، وَهَذَا خَاصٌّ بِمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِعَالَمِ الْغَيْبِ .