بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ).
وأما الصفة؛ فلا يجوز عليها انتقال ولا حلول ألبتة، كذلك قال: (هُوَ
آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (49) .
فعلى هذا كلامه صفته العلية، فكلامه القرآن الذي نزله منه روح القدس،
وقراءتنا وإن كانت مخلوقة محدثة؛ لأنها صفات لنا موجودة بنا توصف، أعني: القرآن
بأنها قرآن، وعلى هذا جاء قوله الحق: (إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) .
وفي الفصل الذي قبل هذا قال: (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا) من أجل
هذه الشبهة حدث الجدال واشتجر الخصام، ولم يزالوا جاثيين على الركب يخطِّئ
بعضهم بعضًا ويُكفِّر بعضهم بعضًا.
وفصل الخطاب في ذلك: القرآن المنزل من ربنا - عز وجل - نزله لا يلحقه القول
بالخلق ألبتة، ثم هو القرآن الذي قرأه لنا، لا ينطلق القول فيه بالخلق تعزيزًا وتعظيمًا
له من أن هذه القراءة ما حاملة وناقلة لمعظم مُرفَّع عن القول بذلك، ومن حيث
هي قراءة موجدة لنا عن نفس مقطع بواسطة لسان موزع للتقطيع على مخارج حلقية
وهوائية وشفوية إلى غير ذلك فهي مخلوقة، والتعزيز والتوقير أولاً، ولهذه الشبهة
امتنع كثير من السلف أن يصفوه بأنه مخلوق أو غير مخلوق؛ لنظرهم إلى هذا
الفصل من الحملة أولاً تارة عملت في الجملة بخاصتها.
وهذه المسائل إنما اشتبهت فأشكلت من أنها تركبت من معاني احتملت فيها،
فكانت في ذلك كخلقة آدم - عليه السلام - خلقه ربه - جلَّ جلالُه - من تراب وماء، ثُمَّ أعمل فيها حرّ
الشمس وبرد الهواء، ثم نفخ فيه من روحه، فكل عمل منه بخاصته، ومن موضع
احتماله بتكوينه من تراب وماء وحر وبرد ما، ولا منفوخ فيه ما لا يوصف بموت،
يحيا فلا يموت أبدًا، كذلك المخلوقات سواه لها وصف من حيث انفرادها موجود
بها، وصف من حيث الاشتراك موجود بها (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ(4) .
لذلك متى وصف آدم - عليه السلام - من حيث هو فالذم أقرب إليه، ومتى وصفه من
حيث هو له وصفه محمود الوصف من الاصطفاء والاجتباء ونحو هذا.