منه المراد مجملَا ، ولا مفصلَا ، والمتشابه يُعلم منه مراده مجملَا
وإن لم نعلمه مفصلًا ، لأن كل آية قد فسرها المفسرون على أوجه.
فمعلوم أن المراد لا يخرج منه ، ثم تعيين مراد الله تعالى منها غير
فمعلوم ، وهذا ظاهر.
على أنه لم يكن يمتنع أن يكلفنا تعالى
تلاوة أحرف لا نعرف معناها ، فيثيبنا على تلاوتها ، كما يُكلِّفنا
أفعالاً لا نعرف وجه الحكمة فيها ، ليثيبنا عليها ، فالتلاوة
فعل يختصُّ باللسان ، ومن جعل قوله: (وَالرَّاسِخُونَ) معطوفًا
جعل قوله: (يَقُولُونَ) فِي موضع الحال للمعطوف دون المعطوف
عليه ، كما فِي قوله: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا) حال
للمعطوف دون المعطوف عليه.
إن قيل: لِمَ خص الراسخين بأنهم يقولون آمنا به ؟
قيل: لأن معرفة ما للإِنسان سبيل إلى معرفته مما لا سبيل له إلى معرفته هو
من علوم الراسخين ، لأن الحكماء هم الذين يُميّزون بين ما
يمكن علمه وما لا يمكن أن يُعلم ، وما الذي يُدرك إن طُلب
والذي لا يُدرك ، وعلى أي غاية يجب أن يقف طالب العلم ، وأي
مكان يتجاوزه ، وهذا أشرف منزلة للحكماء ، ولذلك قالت
عائشة رضي الله عنها:"من رسوخ علمهم الإِيمان بمحكمه"
ومتشابهه وإن لم يعلموا تأويله""
إن قيل: ما فائدة الإِتيان بالمتشابه فِى القرآن ؟
قيل: فوائد جمة ، منها: أن يبين تشريف
العلماء بتميُّزهم عن غيرهم ، ومنها: رياضة العقول فِي تعرفها.
ومنها: استحقاق الثواب بتعبِ الفكر فيه ، ومنها: إظهارُ شرف
الفكر ، ليعلم أنه لم يجعل الإِنسان عبثًا ، ومنها: حث من أخبر
الله عنهم أنهم قالوا: (لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ) على أن
يتدبره ، لأنهم إذا سمعوا ما فِي ظاهره التنافي تأملوه طلبًا لردّه.
فيصير ذلك سببًا أن يعرفوه لمعرفتهم بإعجازهم ولزوم الحجة به.
ومنها: أن يصير سببًا لاعتراف الإِنسان بعجزه ومعرفة نقصه.