ولنذكر سبب وقوع المتشابه على العقول من حيث الحكمة والدقة فِي كتب الله تعالى أولاً ، والمشهور أن سببه الابتلاء بالزيادة فِي مشقة التكليف لتعظيم الثواب ، وهذا أنسب بالمتشابه من حيث اللفظ . وأما أنا فوقع لي أن سببه زيادة علم الله على علم الخلق ، فإن العوائد التجربية, والأدلة السمعية, دلت على امتناع الإتفاق فِي تفلصيل الحكم, وتفاصيل التحسين والتقبيح ، ولذلك وقع الاختلاف بين أهل العصمة من الملائكة والأنبياء ، كما قال تعالى حاكياً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله: {مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَأِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [ص: 69] ، وحكى الله تعالى اختلاف سليمان وداود ، وموسى وهارون ، وموسى والخضر . وصح فِي الحديث اختلاف موسى وآدم ، واختلاف الملائكة فِي حكم قاتل المائة نفس ، إلى أمثال لذلك قد أفردتها لبيان امتناع الاتفاق فِي نحو ذلك ، وإن علة الاختلاف التفاصيل فِي العلم ، فوجب من ذلك أن يكون فِي أحكام الله تعالى وحكمه ما تستقبحه عقول البشر ، لأن الله تعالى لو ماثلنا فِي جميع الأحكام والحكم دل على مماثلته لنا فِي العلم المتعلق بذلك وفي مؤداه ولطائفه وأصوله وفروعه ولذلك تجد الأمثال والنظراء فِي العلوم أقل اختلافاً . خصوصاً من المقلدين . وإنما عظم الاختلاف بين الخضر وموسى لما خص به الخضر عليه [فِي المطبوع: عليهما] السلام . وهذه فائدة نفيسة جداً ، وبها يكون ورود المتشابه أدل على الله تعالى وعلى صدق أنبيائه ، لأن الكذابين إنما يأتون بما يوافق الطباع ، كما هو دين القرامطة والزنادقة . وقد أشار السمع إلى ذلك بقوله تعالى: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ} [المؤمنون: 71] . وقال فِي رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} [الحجرات: 7] . وكيف يستنكر اختلاف