فليس فِي أهل السنة من ينكره . وقد بين أن الاستواء معلوم ، كما أن سائر ما أخبر به معلوم ، ولكن الكيفية لا تعلم ، ولا يجوز السؤال عنها ، لا يقال: كيف استوى ؟ ولم يقل مالك: الكيف معدوم ، وإنما قال: الكيف مجهول . وهذا فيه نزاع بين أصحابنا وغيرهم من أهل السنة ، غير أن أكثرهم يقولون: لا تخطر كيفيته ببال ، ولا تجري ماهيته فِي مقال . ومنهم من يقول: ليس له كيفية ولا ماهية . فإن قيل: معنى قوله الاستواء معلوم أن ورود هذا اللفظ فِي القرآن معلوم كما قاله بعض أصحابنا الذين يجعلون معرفة معانيها من التأويل الذي استأثر الله بعلمه ، قيل: هذا ضعيف ، فإن هذا من باب تحصيل الحاصل ، فإن السائل قد علم أن هذا موجود فِي القرآن ، وقد تلا الآية ، وأيضاً فلم يقل ذكر الاستواء فِي القرآن ، ولا إخبار الله بالاستواء ، وإنما قال: الاستواء معلوم ، فأخبر عن الاسم المفرد أنه معلوم ، لم يخبر عن الجملة ، وأيضاً فإنه قال: والكيف مجهول ، ولو أراد ذلك لقال: معنى الاستواء مجهول ، أو تفسير الاستواء مجهول ، أو بيان الاستواء غير معلوم ، فلم ينف إلا العلم بكيفية الاستواء ، لا العلم بنفس الاستواء ، وهذا شأن جميع ما وصف الله به نفسه . لو قال فِي قوله: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى} [طه: 46] ، كيف يسمع وكيف يرى ؟ لقلنا: السمع والرؤية معلوم والكيف مجهول . ولو قال: كيف كلم موسى تكليماً ؟ لقلنا: التكليم معلوم والكيف غير معلوم . وأيضاً فإن من قال هذا من أصحابنا وغيرهم من أهل السنة يقرون بأن الله فوق العرش حقيقة ، وأن ذاته فوق ذات العرش ، لا ينكرون معنى الاستواء ، ولا يرون هذا من المتشابه الذي لا يعلم معناه بالكلية . ثم السلف متفقون على تفسيره بما هو مذهب أهل السنة . قال بعضهم: ارتفع على العرش: علا على العرش . وقال بعضهم عبارات أخرى . وهذه ثابتة عن السلف . وقد ذكر البخاري فِي صحيحه بعضها فِي آخره ، فِي كتاب