والجمهور على القول الأول لقوله - تعالى - وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ يعني التوراة.
والإنجيل: كلمة يونانية معناها البشارة وهي اسم للكتاب الذي أنزله الله على عيسى.
قالوا: والإنجيل افعيل من النجل وهو الأصل: يقال: رحم الله ناجليه أي والديه. وقال قوم: الإنجيل مأخوذ من نجلت الشيء إذا استخرجته وأظهرته، ويقال للماء الذي يخرج من البئر: نجل وقيل: هو من النجل الذي هو سعة في العين. ومنه طعنة نجلاء أي واسعة.
وسمى الإنجيل بذلك لأنه سعة ونور وضياء أخرجه الله - تعالى - لبني إسرائيل على يد عيسى عليه السّلام.
وهذا الكلام الذي نقلناه عن القرطبي والفخر الرازي هو قول لبعض العلماء الذين يرون أن لفظي التوراة والإنجيل يدخلهما الاشتقاق والتصريف.
وهناك فريق آخر من العلماء يرى أن هذين اللفظين لا يدخلهما الاشتقاق والتصريف لأنهما اسمان أعجميان لهذين الكتابين الشريفين.
قال الفخر الرازي بعد أن أورد كلاما طويلا يدل على عدم ارتضائه للمذهب الذي يرى أصحابه أن هذين اللفظين يدخلهما الاشتقاق والتصريف: «فالتوراة والإنجيل اسمان أعجميان:
أحدهما بالعبرية، والآخر بالسريانية، فكيف يليق بالعاقل أن يشتغل بتطبيقهما على أوزان لغة العرب، فظهر أن الأولى بالعاقل أن لا يلتفت إلى هذه المباحث».
وقوله مِنْ قَبْلُ متعلق «بأنزل» و «هدى» حال من التوراة والإنجيل، ولم يثن لأنه مصدر. ويجوز أن يكون مفعولا لأجله والعامل فيه أنزل.
أي: وأنزل التوراة والإنجيل من قبل تنزيل القرآن لأجل هداية الناس الذين أنزلا عليهم إلى الحق الذي من جملته الإيمان بالنبي صلّى الله عليه وسلّم واتباعه حين يبعث، لأنهما قد اشتملتا على البشارة به والحض على طاعته.
قالوا: فالمراد بالناس من عمل بالتوراة والإنجيل وهم بنو إسرائيل. ويحتمل أنه عام بحيث يشمل هذه الأمة وإن لم نكن متعبدين أي مكلفين ومأمورين بشرع من قبلنا، لأن فيهما ما يفيد التوحيد وصفات الباري والبشارة بالنبي صلّى الله عليه وسلّم.