وهنا يجب أن نلتفت إلى أن الحق قال عن القرآن:"نَزَّل"وقال عن التوراة والإنجيل:"أنزل". لقد جاءت همزة التعدية وجمع - سبحانه - بين التوراة والإنجيل فِي الإنزال ، وهذا يوضح لنا أن التوراة والإنجيل إنما أنزلهما الله مرة واحدة ، أما القرآن الكريم فقد نَزَّله الله فِي ثلاث وعشرين سنة منجما ومناسباً للحوادث التي طرأت على واقع المسلمين ، ومتضمنا البلاغ الشامل من يوم الخلق إلى يوم البعث.
ونَزَّل الله القرآن منجما مناسباً للأحداث ، ليثبت فؤاد رسول الله ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يتعرض لأحداث شتى ، كلما يأتي حدث يريد تثبيتا ينزل نجم من القرآن.
{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً} [الفرقان: 32] .
وكان النجم من القرآن ينزل, ويحفظه المؤمنون ، ويعملون بهديه ، ثم ينزل نجم آخر ، والله سبحانه يقول:
{وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً} [الفرقان: 33] .
فمن رحمته سبحانه وتعالى بالمسلمين أن فتح لهم المجال لأن يسألوا ، وأن يستوضحوا الأمور التي تغمض عليهم.
وجعل الحق سبحانه لأعمال المؤمنين الاختيارية خلال الثلاثة والعشرين عاما فرصة ليقيموا حياتهم فِي ضوء منهج القرآن ، وصوب لهم القرآن ما كان من خطأ وذلك يدل على أن القرآن قد فرض الجدل والمناقشة ، وفرض مجيء الشيء فِي وقت طلبه ؛ لأن الشيء إذا ما جيء به وقت طلبه فإن النفس تقبل عليه وترضى به.