الآية التي ورد فيها (بأفواههم) كانت وصفاً للمنافقين في المدينة، هؤلاء كان فيهم شيخ المنافقين عبد الله بن أُبي بن سلول الذي كان قومه ينظمون له الخرز ليتوجونه ملكاً على المدينة قبل الإسلام، فصدره موغر ضد الإسلام والمسلمين. لكنه هو وجيه في قومه، كبير ولا يرتضي أن يُنسب إليه الخوف أو الجُبن في القتال والأوس والخزرج هم أبناء الحروب. ولهذا كأن القرآن يريد أن يبيّن أن هؤلاء المنافقون قالوا هذه الكلمة بنوع من الترفّع والتعالي (وليعلم الذين نافقوا) صار الكلام بعد انتهاء معركة أُحُد وأنها كانت تجربة أو كانت خبرة. (وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ(167 ) ) يقيناً هذه العبارة قالوها بأفواههم كما يقال بالفم الملآن يعني لو نعلم أنكم ستقاتلون، سوف لا يكون هناك قتال نحن لا نخرج معكم وهم أضعفوا المسلمين بعدم خروجهم.
في الآية الثانية (بألسنتهم) الذين يقولون بألسنتهم هم من الأعراب مسلمين ليسوا من المنافقين لأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - عندما ذهب للعمرة إستنفر المسلمين وإستنفر الأعراب أن يأتوا معه تحسّباً لحدوث قتال وساق الهديَ تحسباً. لو قال للمنافقين بألسنتهم يضعف الحال ولا يصور حالهم هم كانوا متكبرين فقال بأفواههم وليس بألسنتهم. وهؤلاء كانوا معتذرين فلا تتناسب بأفواههم. الصورة لا تتناسب فكل كلمة في القرآن في مكانها.
آية (162) :
* ما الفرق بين ختام الآيتين (وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(162) آل عمران) و (مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير) الحديد؟
(د. فاضل السامرائي)
كل الآيات التي ورد فيها (وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(162) آل عمران) ونحوها إنما قيلت وهم في الدنيا والدنيا لا تزال غير منقضية وأما في سورة الحديد (مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير) فإنه قيل وهم في الآخرة وقد ضرب السور بينهم وبين المؤمنين وأتاهم العذاب من قبله فالنار قريبة منهم فقال (هي مولاكم) .