ومثل النفي في إفادة القصر النهيُ والاستفهام، كما في قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (آل عمران: 135) فقد قصر غفران الذنوب على الله - سبحانه وتعالى - قصر صفةٍ على موصوف قصرًا حقيقيًّا تحقيقيًّا، وطريقه هو النفي والاستثناء؛ لأن الاستفهام في الآية الكريمة مرادٌ به النفي؛ إذ المعنى: لا يغفر الذنوب إلا الله، ومثله قوله تعالى: {هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ} (الرحمن: 60) ؛ حيث قصر جزاء الإحسان على الإحسان قصر موصوف على صفة، وطريقه هو النفي والاستثناء؛ لأن الاستفهام بمعنى النفي، وتقول: لا تفعل إلا الخير، لا تصاحب إلا الوفي، لا تعتمد إلا على الله، فتقصر الفعل على الخير والمصاحبة على الوفي والاعتماد على الله، وطريق القصر - كما ترى - هو النهي والاستثناء، والمقصور عليه في طريق النفي والاستثناء هو المستثنى؛ أي الواقع بعد أداة الاستثناء، سواء تقدم أو تأخر، تقول: ما جاء إلا زيد فتقصر المجيء على زيد، ويقول زهير:
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم ... وما هو عنها بالحديث المرجّم
فقد قصر الحرب على الذي علموه وذاقوه من ويلاتها قصر موصوف على صفة، ويقول المتنبي:
لا يدرك المجد إلا سيدٌ فطن ... لما يشق على السادات فعّال
حيث قصر إدراك المجد على السيد الفطن، الذي يستطيع إدراك ما يشق على السادة الكرماء، وتقول: لا أختار الوفي إلا منكم، ولا أختار منكم إلا الوفي، فتفيد بالأول قصر اختيارك الوفي على كونه منهم، ففيه مدح لهم وتنويه بشأنهم، وأن من أراد الوفي فعليه بالاتجاه إليهم فهم جميعًا أوفياء، وتفيد بالثاني قصر اختيارك منهم على الوفي، فهذا يعني أن فيهم الوفي وغير الوفي، فأنت تختار الوفي وتترك غيره، ولا يخفى عليك بعد ما بين القولين والأدخل منهما في باب القصر. وتأمل معي قول الشاعر يمدح بني هاشم:
لو خير المنبر فرسانه ... ما اختار إلا منكم فارسا
تجده قد قصرَ اختيار الفارس على كونه منهم، وهذا يعني أنهم جميعًا فرسان، وأن المنبر لا يتجه إلا إليهم حين يُتاح له أن يختار فارسه.