ويصح أن يكون المراد بالكناية المعنى الاصطلاحي عند البلاغي وأن المطلوب بها موصوف؛ لأن التحرير من الصفات المختصة بالذكور فهو إذن ملزوم والذكر لازم له، وقد أطلق اسم الملزوم وهو لفظ: {مَا فِي بَطْنِي} الموصوف بالتحرير وأريد اللازم وهو الذكر، ومن أجل هذا سميت اللام هنا لام العهد الخارجي الكنائي.
{وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75) }
إذا سبق إنكار للمنكر كأن يقول قائل: لا أعلم ما تقول، فتقول له: أنت تعلم أن الأمر على ما أقول، فتقدم المسندَ إليه أنت، وعليه قوله تعالى: {وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (آل عمران: 75) لأن الكاذب لا سيما في الدين لا يعترف بأنه كاذب وينكر كذلك علمُه بأنه كاذب، ومعلوم أن الإنكار يقتضي توكيد الحكم فقُدِّم المسند إليه لرد هذا الإنكار.
{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا ... (103) }
حيث مثَّلت حال التمسك بدين الله، وعادي بحال المعتمد على حبل قوي يمنعه من السقوط، ومما جاء من الاستعارة التمثيلية في الحديث النبوي قوله - صلى الله عليه وسلم - (( إن أحدكم إذا تصدق بالتمرة من الطيب، ولا يقبل الله إلا الطيب؛ جعل الله ذلك في كفه فيربيها، كما يربي أحدكم فلوَّه ) )، فقد مثَّل الحديث حال الصدقة القليلة من الكسب الطيب عند الله - جل وعلا - في محبته لها، ورضاه عنها بالشيء المحبوب يوضع في اليد؛ اعتزازًا به وحرصًا عليه، ومن الاستعارة التمثيلية الأمثال السائرة الواردة عن العرب، فيستعار موردها لمضربها.
ومعلوم أن الأمثال لا تتغير، فيستعار موردها الذي قيلت فيه لمضربها الذي تضرب فيه بلا تغيير، ولا تبديل، من ذلك مثلًا قولهم"أحشفًا وسوء كيلة": يُضرب لمن يُظلم من جهتين، وأصل مورده أن رجلًا اشترى من آخر تمرًا، فوجده رديئًا وناقص الكيل، فقال: أحشفًا وسوء كيلة، فصار يضرب لمن ظلم من جهتين، هذه استعارة تمثيلية.
{يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (106) وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107) }