وقرئ: (تَذْخَرُون) بالذال والتخفيف. يقال: ذَخَرت الشيء أَذْخَرُهُ بالفتح فيهما ذُخْرًا، وكذلك ادَّخرته وعليه الجمهور، وقد مضى الكلام عليه آنفًا.
{وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50) } :
قوله عز وجل: {وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ} (ومصدقًا) : منصوب على الحال، وذو الحال وعاملها محذوفان دل عليهما قوله: {وَجِئْتُكُمْ} ، أي: جئتكم بآية، وجئتكم مصدقًا. ولك أن تعطفه على قوله: (بآية) إن جعلتها حالًا، أي: جئتكم موضحًا ومصدقًا، فلا حذف على هذا.
فإن قلت: هل يجوز أن يكون عطفًا على قوله: {وَجِيهًا} ؟ قلت: مُنع ذلك لأجل قوله: {لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ} ، ولو كان عطفًا عليه لكان (لما بين يديه) على لفظ الغَيبة.
قوله: {مِنَ التَّوْرَاةِ} في موضع نصب على الحال من المستكن في الظرف، والعامل فيها الظرف.
وقوله: {وَلِأُحِلَّ لَكُمْ} هو مردود على محذوف دل عليه معنى الكلام، كأنه قيل: وجئتكم مصدقًا لكذا لِأُسَهِّلَ عليكم، أو شبهه، ولأحل لكم.
وقيل: هو مردود على قوله: {بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ} ، أي: جئتكم بآية من ربكم ولأحل لكم.
وقيل: عطف على معنى قوله: {وَمُصَدِّقًا} ، لأن معناه: جئتكم لأصدق ما بين يدي من التوراة ولأحل لكم. كما تقول: جئتك معتذرًا إليك ولأجتلب عطفك.
والجمهور على ترك تسمية الفاعل في قوله: {حُرِّمَ عَلَيْكُمْ} ، وقرئ: (حَرَّم عليكم) على تسمية الفاعل. قيل: وهو ما بين يديَّ من التوراة، أو الله تعالى، أو موسى - عليه السلام -، لأن ذكر التوراة دل عليه، ولأنه كان معلومًا عندهم.
{إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (51) } :
قوله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ} الجمهور على كسر الهمزة على الاستئناف، وقرئ بفتحها على تقدير الجار، أي: لأن الله ربي وربكم فاعبدوه، كقوله: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ} على مذهب الخليل.
وقيل: التقدير: وجئتكم بآية على أن الله ربي وربكم، وما بينهما اعتراض.