بالعذابِ الأليم ، ومثالُ ذلك: أن يُريدَ الإنسانُ ذمَّ رجل وتنقُّصَهُ وإظهارَ عيْبِهِ لينفر الناس عنه إما محبةً لإيذائهِ أو لعداوتِهِ ، أو مخافةً من مُزاحمتِهِ على مالٍ أو رئاسة أو غير ذلك من الأسبابِ المذمومةِ ، فلا يتوصَّل إلى ذلك إلا بإظهار الطَّعْنِ فيه بسببِ ديني ، مثل: أن يكونَ قد ردَّ قولاً ضعيفًا من أقوالِ عالمٍ مشهور فيشيعُ بين من يُعَظِّم ذلك العالِمَ ، أن فلانًا يُبْغِضُ هذا العالِمَ ويذمُّه ويطعنُ عليه فيغِرُّ بذلك كلَّ من يُعظمه ويُوهمهُم أن بُغْضَ الرادِّ وأذاهُ من أعمال العربِ ، لأنه ذبٌّ عن ذلك العالِم ، ورفع الأذى عنه ، وذلك قُربةٌ إلى
اللَّهِ تعالى وطاعتِهِ فيجمعُ هذا الظْهِرُ للنصح بين أمرين قبيحين مُحرَّمين:
أحدهما: أن يُحملَ ردُّ هذا العالِم القولَ الآخرَ على البُغْضِ والطَّعْنِ
والهَوَى ، وقد يكونُ إنَّما أراد به النُّصحَ للمؤمنينَ ، وإظهارَ ما لا يحلُّ له
كتمانُه من العلم.
والثاني: أن يُظهرَ الطَّعْنَ عليه ليتوصَّل بذلكَ إلى هواه وغَرَضه الفاسد في
قالَبِ النُّصح والذَّبِّ عن عُلماءِ الشرع ، وبمثلِ هذه المكيدةِ كان ظلمُ بني
مروانَ وأتباعُهم يستميلونَ الناسَ إليهم ويُنفِّرون قلوبَهُم عن عليِّ بنِ أبي
طالبٍ والحسنِ والحسينِ وذريتِهم - رضي الله عنه أجمعين.
وأنه لما قُتِلَ عثمانُ - رضي الله عنه - لم تَرَ الأمَّةُ أحقَّ من عليٍّ - رضي الله عنه - فبايعوه فتوصَّلَ منْ توصَّل إلى التنفير عنه ، بأنْ أظهرَ تعظيمَ قتلَ عثمانَ وقُبْحَهُ ، وهو فِي نفس الأمر كذلكَ ، ضُمَّ إلى ذلك أن المُؤلِّب على قتلِهِ والسَّاعِي فيه عليّ - رضي الله عنه - ، وهذا كان كَذِبًا وبهْتًا.