اللًّهَ تعالى ذمَّ من أظهرَ فعلاً وقولاً حسنًا وأرادَ به التوصُّلَ إلى غَرَضٍ فاسدٍ
يقصدُهُ فِي الباطنِ ، وعدَّ ذلك من خصال النفاقِ كما فِي سورةِ براءةَ التي
هتَكَ فيها المنافقينَ وفضَحَهُمْ بأوصافهم الخبيثة ، (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ) .
وقال تعالى: (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا..) ، وهذه الآيةُ نزلتْ فِي اليهودِ لمَّا سالهم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن شيء فكتمُوه وأخبرُوه بغيرِه ، وقد أرَوْه أنْ قد أخبرُوه بما سألهم عنه ، واستحمدُوا بذلك عليه وفرحوا بما أتَوا من كتمانِهِ ما سألهُم عنه.
كذلك قالَ ابنُ عباسٍ - رضي الله عنه - ، وحديثُه بذلكَ مخرَّجٌ فِي"الصحيحين".
وعن أبي سعيد الخدري: أن رجالاً من المنافقين كانُوا إذا خرج رسولُ اللَّهِ
-صلى الله عليه وسلم - إلى الغزوِ وتخلَّفوا عنه وفرِحُوا بمقعدهِم خلافَ رسولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فإذا قدِمَ رسولُ اللَّهُ اعتذرُوا إليه وحَلَفُوا ، وأحبُوا أن يُحمدوا بما لم يفعلوا.
فنزلتْ هذه الآية ُ.
فهذه الخصالُ ، خصالُ اليهودِ والمنافقينَ ، وهو أن يُظهرَ الإنسانُ فِي الظاهرِ
قولاً أو فعلاً ، وهو فِي الصورةِ التي ظهرَ عليها حسنٌ ، ومقصودُهُ بذلك
التوصُّلُ إلى غَرَضٍ فاسدٍ ، فيحمدُهُ على ما أظهر من ذلك الحسَنِ ، ويتوصَّلُ
هو به إلى غرَضِهِ الفاسدِ الذي هو أبْطَنَهُ ، ويفرحُ بحمدِهِ على ذلك الذي
أظهرَ أنه حسنٌ وفي الباطنِ شيء ، وعلى توصُّلِهِ فِي الباطنِ إلى غرضِهِ
الستَيِّئ ، فتتمُّ له الفائدةُ وتُنفّذُ له الحيلةُ بهذا الخداع!!.
ومَنْ كانتْ هذه صفتُهُ فهو داخلٌ فِي هذه الآيةِ ولا بُدَّ ، فهو مُتَوَعَّدٌ