وهذا الثاني باطلٌ قطْعًا ، لأنه يلزمُ منه أنْ يعذَّب بدنٌ غيرُ بدنِ الميتِ ، معَ
روح غيرِ روحِهِ ، فلا يعذَّبُ حينئذٍ بدنُ الميتِ ولا رُوحُه ، ولا يتنعمانِ أيضًا ، وهذا باطلٌ قطعًا ، والأولُ باطلٌ - أيضًا - بالنصوصِ الدالةِ على بقاءِ الروح منفردةً عن البدنِ بعد مفارقتِها له ، وهي كثيرةٌ جدًّا وقد سبقَ ذكرُ بعضِها.
وقد احتجَّ بعضُهم على فناءِ الأرواح وموتِها بما رُوي عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه كانَ إذا دخلَ المقابرَ قالَ:"السَّلامُ عليكُم أيتُها الأرواحُ الفانيةُ ، والأبدانُ الباليةُ ، والعظامُ النخرةُ ، التي خرجتْ من الدُّنيا وهي باللَّه مؤمنه اللَّهُمَّ أدخلْ عليهم رَوْحًا منكَ وسَلاما مِنَّا".
وهذا حديثٌ خرَّجه ابنُ السُّني ، من طريقِ عبدِ الوهابِ بنِ جابرِ
التيميِّ ، حدثنا حبانُ بنُ عليٍّ ، عن الأعمشِ ، عن أبي رزينٍ ، عن ابنِ مسعودٍ - رضي الله عنه - ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، وهذا لا يثبت رفعُه ، وعبدُ الوهابِ لا يُعرفُ ، وحبّانُ ضعيف ، ولو صحَّ حُمِلَ على أنَّه أرادَ بفناءِ الأرواح ذهابَها من الأجسادِ
المشاهدةِ ، كما فِي قوله تعالى: (كلّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ) ، وبعضُ الأبدانِ باقية ، كأجسادِ الأنبياءِ عليهم الصلاةُ والسلامُ وغيرِهم ، وإنما تفارقُ
أرواحُها أجسادَها.
وذَكَرَ بعضُهم عن ابنِ عباسٍ - رضي الله عنهما - أنه سئل أينَ تكونُ الأرواح إذا فارقتِ الأجسادَ ؟
فقال: أين يكونُ السراجُ إذا طُفِي ، والبصرُ إذا عَمِيَ ، ولحمُ المريضِ
إذا مَرِض ؛ فقالُوا: إلى أينَ ؟
قال: فكذلكَ الأرواحُ ، وهذا لا يصحّ عنِ ابنِ عباسٍ رضي اللَّهُ عنهما ، واللَّهُ أعلم.
قوله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ(173)