وفي رواية:"أوْ كانَ ممن استَثْنى اللَّهُ". فإن حياةَ الأنبياءِ أكملُ من حياةِ الشهداءِ ، بلا ريبٍ ، فيشملُهم حكمُ الأحياءِ أيضًا ، ويصعقونَ مع الأحياءِ حينئذ ، لكن صعقةُ غشي لا صعقةَ موتٍ ، إلا موسى فإنه تردَّدَ فيه هل صُعِقُ أم كان ممن استثْنى اللَّهُ ، فلم يُصعقْ لمجازاةِ اللَّه له ، بصعقةِ الطورِ ؛ ولكنْ على هذا التقدير فموسى مبعوثٌ قبل مَحمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ، لا محالةَ ، فكيفَ تردَّد النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فِي ذلك
في كونِ الشهداءِ لا يُصعقونَ والأنبياءُ يُصعقُونَ ، إشكالٌ أيضًا ، واللَّه أعلمُ
بمرادِهِ ومرادِ رسولِه - صلى الله عليه وسلم - فِي ذلك كلِّه.
والفرقُ بينَ حياةِ الشهداءِ وغيرِهم منَ المؤمنينَ الذين أرواحُهُم فِي الجنةِ.
وجهين:
أحدُهُما: أنَّ أرواحَ الشهداءِ تُخلقُ لها أجسادٌ ، وهي الطيرُ التي تكونُ في
حواصِلِها ، ليكملَ بذلك نعيمُها ، ويكونُ أكملُ من نعيم الأرواء المجردةِ عنِ
الأجسادِ ، فإن الشهداءَ بذلُوا أجسادَهُم للقتلِ فِي سبيلِ اللَهِ فعوّضوا عنها بها
الأجسادَ فِي البرزخ.
والثاني: أنهم يُرزقونَ فِي الجنةِ ، وغيرُهُم لم يثبتْ له فِي حقِّه مثلُ ذلكَ فإنه
جاءَ أنهم يُعلَّقون فِي شجرِ الجنةِ. ورُوي يعلقون بفتح اللامِ وضَقَها ، فقيلَ:
إنَّهما بمعى ، وأنَّ المرادَ الأكلُ من الشجرِ ، قال ابنُ عبدِ البرِّ: وقيل: بلْ روايةُ الضمِّ معناها الأكلُ ، وروايةُ الفتح معناها التعلُّق.
وهو التسترُ. وبكلِّ حالٍ فلا يلزم مساواتُهُم للشهداءِ فِي كمالِ تنعمهم بالأكلِ ، واللَّهُ أعلم.
وقد ذهبَ طائفةٌ من المتكلمينَ إلى أن الروحَ عرضٌ لا تبقى بعدَ الموتِ.
وحملُوا ما وردَ من عذابِ الأرواح ونعيمِها بعدَ الموتِ على أحدِ أمرينِ: إما
أنَّ العرضَ الذي هو الحياةُ يعادُ إلى جزءٍ من البدنِ ، أو على أنْ يخلقَ فِي بدنٍ
آخرَ.