ويشهدُ لذلكَ - أيضًا - ما فِي حديثِ أبي هارونَ العبدِيِّ - مع ضعفِ
حديثِهِ - عن أبي سعيدٍ الخدريِّ ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي حديثِ الإسراءِ الطويلِ إلى أنْ ذكرَ السماءَ الدنيا:"وإذا أنا برجلٍ كهيئتِه يومَ خلقَهُ اللَهُ - عزَّ وجلَّ - لم يتغيرْ منه شيء ٌ ، وإذا تُعْرَضُ عليه أرواحُ ذريتِهِ ، فإذا كان روحُ مؤمنٍ قال: روحٌ طيبةٌ ، وريحٌ"
طيبة اجعلُوا كتابَهُ فِي عليّينَ. وإذا كان روحُ كافرٍ ، قال: روحٌ خبيثةٌ ، وريحٌ خبيثة اجعلُوا كتابه فِي سجِّين ، قلتُ: يا جبريلُ من هذا ؟
قال: أبوكَ آدمُ"، وذكر الحديثَ."
ففي هذا أنه تُعْرَضُ عليه أرواحُ ذريتِه فِي السماءِ الدنيا ، وأنه يأمرُ بجعلِ
الأرواح فِي مستقرِّها من علِّيينَ وسجًّينَ ، فدلَّ على أن الأرواحَ ليس محل
استقرارِها فِي السماءِ الدُّنيا.
وزعمَ ابنُ حزمٍ أنَّ اللَّه خلقَ الأرواحَ جملةً قبلَ الأجسادِ ، وأنه جعلها في
برزخ ، وذلك البرزخُ عند منقطع العناصرِ ، يعني حيثُ لا ماءَ ولا هواءَ ولا
نارَ ولا ترابَ ، وأنه إذا خلقَ الأجسادَ أدخلَ فيها تلكَ الأرواحَ ، ثم يعيدها
عند قبضِها إلى ذلك البرزخ ، وهو الذي رآها رسولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي ليلةِ أُسْرِي به ، عند سماءِ الدنيا ، أرواحُ أهلِ السعادةِ عن يمينِ آدمَ ، وأرواحُ أهلِ الشقاوةِ عن يسارِهِ ، وذلك عند منقطع العناصرِ ، وتُجعلُ أرواحُ الأنبياء والشهداءِ إلى الجنةِ.
قال: وذكرَ محمدُ بنُ. نصر المروزيُّ ، عن إسحاقَ بنِ راهويه ، أنه ذكرَ هذا
الذي قلنَاه بعينِه ، قالَ: وعلى هذا أجمعَ أهلُ العلم ، قالَ ابنُ حزمٍ: وهو
قولُ جميع أهلِ الإسلامِ ، هذا مختصرُ ما ذكرَهُ ، ولا يُعرفُ ما قالَهُ فِي هذا
عن أحدٍ من أهلِ الإسلامِ غيرِهِ.
فكيفَ يكونُ قولَ جميعَ أهلِ الإسلامِ ، وكلامُهُ يقتضِي أن الأرواحَ رآها