ولا يصحُّ أن يقالَ: إنَّ أحمدَ إنما نفى الفناءَ عنهُما معًا ، فيصدق ذلك بأن
تكونَ الجنةُ وحدها لا تَفْنى لأنَّ ما بعدَ هذا مبطلٌ لهذا التأويلِ ، وهو قوله:
بلْ هما على علم اللَّهِ باقيتانِ. فإنَّ هذا ينفي ذلك الاحتمالَ والتوهمَ ، ويثبتُ
لهما البقاءُ معًا ، وهذا كما تقولُ: زيدٌ وعمرُ ولا يعلمانِ ، فهذا قد يحتمل أن
يرادَ به نفي العلم عنهُما جميعًا دونَ أحدِهما ، فإذا قلتَ بعدَ ذلك: بل هُما
جاهلانِ ، زالَ ذلك الاحتمالُ ، وأثبتَ الجهلَ لهما جميعًا ، وأيضًا فلا يقعُ
استعمالُ نفي عن شيئينِ والمرادُ نفيُ اجتماعهما خاصةً ، إلا معَ - صلى الله عليه وسلم - بَيَّنَ ذلك فِي سياقِ الكلامِ ، أو عن لفظٍ يدلُّ عليه ، فأمَّا مع الإطلاقِ فلا يقع ذلكَ ، بل لا يجوزُ استعمالُهُ مع الإيهامِ ، كما لا يُقالُ: الجنةُ والنارُ لا يفنيانِ ،
وكما لا يُقالُ: الخالقُ والمخلوقُ لا يفنيانِ ، ويرادُ به أنَّ المخلوقَ وحدَه يقنى ، ولا يقالُ: الدنيا والآخرةُ لا تبقيانِ ، ويُرادُ به أنَّ الدنيا وحدها تفْنى ، ولا يُقالُ: إنَّ محمدًا ومسيلمةَ لا يصدَّقانِ أو لا يكذَّبانِ ، ويرادُ به صدقَ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - وحده ، وكذبُ مسيلمة وحدَه ، فإن هذا كلَّه استعمالٌ قبيحٌ ممنوعٌ ؛ ولا يُعهدُ مثلُه فِي كلامِ أحدٍ ممنْ يُعتدُّ بهِ.
وقولُ أحمدَ بعد هذا:"نسألُ اللَّهَ التثبيتَ أن لا يُزيغَ قلوبنَا بعدَ إذْ هدَانا"
يدلُّ على أنَّ القولَ بخلافِ ذلك عندَهُ من الضلالِ والزيغ ، وقد صرَّح بهذا
فيما نقلَهُ عنه حربٌ ، قال حربٌ فِي مسائِلِهِ: هذا مذهبُ أئمة أهل العلمِ
وأصحابِ الأثرِ ، وأهلِ السنةِ المعروفينَ بها ، المقتدَى بِهِم ، وأدركتُ من