والنكتة التي هي أم الاحتجاج فِي نفي الخلق عن القرآن وسائر الكتب المنزلة هي تثبيت الكلام على الخالق، والدالة على أنه متكلم، فإذا أخذ اعتراف المنكر بهذا استغني به عن سائر الحجج، إذ الكلام يكون نعتا من نعته ولا يقدر الخصم على أن يقول بخلقه، فنفي الخلق عن القرآن بما خرج من معنى الجعل دعامة تضعف عند الاحتجاج، وللجعل
مواضع يدل عليه سياق الكلام، فإذا اقتضى الخلق فهو خلق، وإذا اقتضى صيرورة فهو صيرورة.
ضرب الأمثال والنهي عن المراء:
قوله: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(59) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60 ) )
حجة: فِي ضرب الأمثال، ونهي عن المراء، وكان بعض مثبتي القياس يجعله حجة فِي تثبيت القياس، وهو عندي غلط فاحش، من أجل أن القياس: هو تشبيه الشيء بالشيء ، وعيسى لا يشبه خلقه خلق آدم فِي شيء من الأشياء من أجل أنه مولود، وآدم مصنوع، وهو حادث من أنثى، وآدم غير حادث من أنثى ولا ذكر، وهو ولد، وآدم والد، ففي أي شيء يشبهه، إلا فِي أنه لحم ودم وصورة مؤلفة يستويان فِي الأكل والشرب والنوم وأشباهه، وهذا شيء يشاركه فيه جميع الناس، فأي فائدة تكون حينئذ فِي ضرب الكل به مع آدم عليهما السلام،
إنما الفائدة فيه: أن الناس لم يكن فِي عرفهم أن تلد أنثى من غير ذكر، فلما أحدث الله خلق عيسى، وأخرجه من بطن مريم من غير مسيس ذكر لها تعاظم عندهم مالم يكن فِي عرفهم وعادتهم، حتى هلك فيه من هلك، فأعلمهم الله، أنه خلقه بقدرته من غير ذكر فِي بطن أمه كما خلق آدم، وكانت قدرته محيطة بخلقهما من غير نطفة. فإن كان القائس يزعم: أن الله لما حرم شيئا واحدا كان قادرا على تحريم شيئين، فلعمري إنه قد أصاب الشبه من المثل المضروب فِي خلق آدم وعيسى صلى الله عليهما وسلم.