أي: ومصير الذين اتبعوك فوق الذين كفروا. وكان بعض ملطفي نحلتنا يزعم: أن الجعل إذا تعدى إلى مفعولين، كان بمعنى الصيرورة، وإذا تعدى إلى مفعول واحد كان بمعنى المخلوق، ولا أحسب هذا منه إلا هفوة، لأن قوله تبارك وتعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورً)
متعدي إلى مفعولين، والشمس مخلوقة، وقد يجوز أن يقال:"جعل"فِي الشمس والقمر ها هنا بمعنى صير، على تأويل أن الشمس خلقت غير مضيئة، والقمر غير منور، ثم صير لهما ضياء ونورا، وأصل المجعولين من متبعي عيسى فوق الذين كفروا مخلوق، ثم صيروا فوقهم. فهذا توجيه قول اللطف فيما قال فِي الجعل المتعدي إلي
مفعولين - ولكنه يكسره من جهتين:
إحداهما: أن ضوء الشمس ونور القمر خلقة فيهما ونعوت من نعوت ذاتهما، وليست رفعة متبعي عيسى على الذين كفروا خلقة فيهم ولا نعتا من نعوت ذاتهم، فالصيرورة تحسن فيما ليس من نعوت الذات، ولا تحسن فِي النعوت الذاتية.
والأخرى: أن هذا الملطف أراد أن يجعل الفرق بين الجعلين بذكر المتعدي إنما المفعولين ذريعة إنما نفي الخلق عن القرآن، إذ الجعل فيه متعدي إلى مفعولين، وقوله: (وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ)
متعدي إلى مفعول واحد وأصل القرآن ليس بمخلوق، ثم صير عربيا، كما يحتمل أن تكون الشمس خلقت غير مضيئة، ثم صير لها ضوء، ولكنه كلام الله غير مخلوق، أنزله بلسان العرب، ليفهم عنه كما أنزل التوراة بالعبرانية والإنجيل بالسريانية، ليفهم كل عنه، وبأي لسان أنزل كتبه فهي غير مخلوقة.