قوله فِي عيسى، صلى الله عليه وسلم: (وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ)
دليل على أن من وضع الكلمة موضع غيرها، لا يكون كاذبا إذ لا يشك أحد من المسلمين أن عيسى ليس بخالق، وإنما أراد - والله أعلم - أنى أصور لكم صورة طير، فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله - أي بإطلاق الله - لا محالة لا بعلمه كما تزعم القدرية: أن الإذن بمعنى العلم، إذ لو كان
(فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ)
بمعنى علمه، لا بإطلاقه لكان خالق الطير عيسى لا ربه، إذ كان، جل وتعالى، لا يخلق بعلمه إنما يخلق بقدرته، ويدبر بعلمه، وهذا من قولهم: هي النصرانية بعينها، بل زيادة عليها.
في القضاء والقدر:
قوله تعالى، إخبارا عنه - صلى الله عليه وسلم - (وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ)
حجة عليهم فِي إنكارهم إضافتنا الأفعال إلينا وقضاءها وخلقها إلى الله، جل جلاله
إذ لا محالة أن الله هو: مبرئ الأكمه والأبرص، ومحيي الموتى، وقد نسبه إلى عيسى فِي الإخبار عنه، بما جعله له آية، وكذا نقول: إن الله جل جلاله خالق أفعالنا، والقاضي علينا بذنوبنا ونحن فاعلين لها، وهو واضح لمن تميزه واستعان بالله على معرفته ولحوق لطيفة نكتته.
ناسخ ومنسوخ:
قوله تعالى: (وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ)
دليل: على أن فِي الكتب المنزلة قبل الفرقان ناسخا ومنسوخا كهو فيه. وأن الله ينسخ على ألسنة أنبيائه ما أنزله من وحيه كما ينسخه بوحيه.
قوله قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) دليل: على أن الإيمان والإسلام وإن فرق بينهما اسم فقد يجمعهما اسم، وهو رد على المرجئة.