فما بال السيد من بينها يخص بالنكير، ويباح سائره، ونرى الفاسق المتسلط يسمى جبارا ويسمى متكبرا، وكلاهما من أسامي الله، وهما فِي الله - جل جلاله - مدح، وفي الفاسق ذم، فلا يكون شيء من ذلك منكرا، إذ الأسامي أمارات يعرف بها الأشخاص لا غير.
ولو كان كل اسم سمي به مسمى لا يجوز أن يسمى به غيره إلا أن يشبهه بجميع صفاته، ما جاز أن يسمى أحد بأسامي الأنبياء، والملائكة من أجل أنهم يخالفونهم فِي بعض صفاتهم وإن وافقوهم فِي بعضها، وذلك مخالفة القرآن وهدم اللغة والخروج من العرف والعادة، ولا أحسب إعداد تسمية الناس بالسيد نكيرا إلا من
نسك العجم والجهال بلغة العرب. أليس مالكها المماليك يسمون سادة، وقد تكلم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والصحابة، وهم عرب نساك أفضل من أظلته الخضراء بعد النبيين وتكلم به التابعون بعدهم والفقهاء، والأئمة ودونوه فِي المصنفات ورددوه فِي المناظرات، لا ينكره منكر ولا يعيبه عائب، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لوفد قدم عليه:"من سيدكم والمطاع فيكم،."
وقال:"إن ابني هذا سيد، وعسى الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين"
وقال فِي سعد بن معاذ:"قوموا إلى سيدكم، وأشباه ذلك مما يطول الكتاب بذكره."
وإن كان ينكر أن يسمى به غير رئيس، لأنه واقع على الرؤساء، فإذا سمي به غيرهم كان كذبا عنده - فقد دللنا فِي سورة البقرة على أن: من أراد المبالغة فِي مدح الشيء ، أو ذمه فتكلم بما يكون ظاهره إفراطا لم يكن كذبا، واحتججنا فيه بقوله عز وجل: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ(18 ) ) .
فليس فيه معنى النكير بوجه من الوجوه إلا فِي حالة واحدة أكرهها،
بل أنهى عنها، وهو أن يعرف إنسان بعينه بنفاق فلا يسمى به، لحديث بريدة الأسلمي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"لا تقولوا للمنافق سيد فإن يكن سيدكم فقد أغضبتم ربكم"