{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ... (110) }
فإن قلت: لِمَ قدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان بالله في الذكر، مع أن الإيمان يلزم أن يكون مقدمًا على جميع الطاعات، والعبادات لأنه أساسها؟
قلت: إنَّ الإيمان بالله أمر يشترك فيه جميع الأمم المؤمنة، وإنما فضلت هذه الأمة الإِسلامية بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على سائر الأمم، فكأنهما هما المقصودان هنا وإن كان الإيمان بالله شرطًا فيهما؛ فلهذا السبب حسن تقديم ذكرهما على ذكر الإيمان، فهذه الأمة لها شبه بالأنبياء من حيث إنها مهتدية في نفسها هادية لغيرها.
{بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ (125) }
فإن قلت: أي حاجة إلى ذلك العدد الكثير، فإن جبريل وحده، أو أي ملك كافٍ في قتال الكفار؟
أجيب: بأن النصر في ذلك ينسب للرسول - صلى الله عليه وسلم - والمؤمنين لقوله تعالى: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ} فلو هلكوا بشيء مما هلك به الأمم السابقة .. لم يكن في ذلك مزيد فخر للمؤمنين، ولا شفاء لغيظهم لكونه خارجًا عن اختيارهم.
فإن قلت: لم أمد الله المؤمنين يوم بدر بملائكته يثبتون قلوبهم، وحرمهم من ذلك يوم أحد حتى أصاب العدو منهم ما أصاب؟
فالجواب: إن المؤمنين كانوا يوم بدر في قلة وذلةٍ، من الضعف والحاجة؛ فلم يكن لهم إعتمادٌ إلا على الله، وما وهبهم من قوة في أبدانهم ونفوسهم، وما أمرهم به من الثبات، والذكر إذ قال: {إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} .
ولم يكن في نفوسهم تطلع إلى شيء سوى النصر، وإقامة الدين، والدفاع عن حوزته، وكانت أرواحهم بهذا الإيمان مستعدة لقبول الإلهام من أرواح الملائكة، والتقوي بالاتصال بها.