وأما قوله تعالى: (كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ) فمعناه: أنها حُفظت من فساد المعنى وركاكة اللفظ، وقوله تعالى: (كِتاباً مُتَشابِهاً) معناه: أنه يُشبه بعضُه بعضاً في صحة المعنى وجزالة اللفظ.
ثم إن الناس في شأن المتشابه على قسمين: (فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ) أي: شك، أو ميل عن الحق، كالمبتدعة وأشباههم، (فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ) فيتعلقون بظاهره، أو بتأويل باطل، (ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ) أي: طلباً لفتنة الناس عن دينهم: بالتشكيك والتلبيس، ومناقضة المحكم بالمتشابه، (وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ) على ما يشتهون ليوافق بدعتهم.
(شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(18)
(لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ) كرر الشهادة للتأكيد، ومزيد الاعتبار بأمر التوحيد، والحكم به، بعد إقامته الدليل عليه.
وقال جعفر الصادق: الأُولى وصف وتوحيد، والثانية رسم وتعليم.
أي: قولوا: لاَ إِلهَ إِلَّا هُوَ، أو ليرتب عليه قوله: (الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) فيعلم أنه الموصوف بهما، وقدَّم «العزيز» ليتقدم العلم بقدرته على العلم بحكمته.
(قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ...(29)
وقدَّم في سورة البقرة الإبداء، وأخره هنا لأن المحاسبة لا ترتيب فيها بخلاف العلم، فإن الأشياء التي تبرز من الإنسان يتقدم إضمارها في قلبه ثم تبرز، فقد تعلق علم الله تعالى بها قبل أن تبرز، فلذلك قدَّم هنا الإخفاء لتقدم وجوده في الصدر، وأخره في البقرة، لأن المحاسبة لا ترتيب فيها.
(وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ...(30)
ولا ينفع الندم وقد زلَّت القدم.