وعند الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى: من لزمه القتل بردة أو قصاص أو غيرهما لم يتعرّض له إلا أنه لا يؤوى ولا يطعم ولا يسقى ولا يبايع حتى يضطر إلى الخروج فيقتل، وكان عمر بن الخطاب يقول: لو ظفرت فيه بقاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه، وعند الإمام الشافعيّ رحمه الله تعالى: لا يلجأ إلى الخروج بل يقتل للأمر في خبر الشيخين بقتل ابن خطل وقد كان ارتدّ وتعلق بأستار الكعبة.
وأمّا قوله: {ومن دخله كان آمناً} وخبر"من دخل المسجد فهو آمن"فمعناه جمعاً بين الأدلة أنَّ من دخله بغير استحقاق قتل كان آمناً، ومن دخله بعد استحقاق قَتل قُتل، وأما إذا ارتكب الجريمة في الحرم فيستوفى منه بالاتفاق.
{وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}
قيل: وضع كفر موضع لم يحج تأكيداً لوجوبه وتشديداً على تاركه، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم
«من ملك زاداً وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهودياً أو نصرانياً» رواه الترمذي وضعفه، ونحوه في التغليظ: «من ترك الصلاة متعمداً فقد كفر» .
تنبيه: في هذه الآية أنواع من التأكيد والتشديد على طلب الحج منها قوله تعالى: {وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} أي: أنه حق واجب لله في رقاب الناس لا ينفكون عن أدائه والخروج عن عهدته.
ومنها أنه ذكر الناس ثم أنه أبدل منه (من استطاع إليه سبيلاً) وفيه ضربان من التوكيد:
أحدهما أن الإبدال تثنية للمراد وتكرير له، والثاني أنَّ الإيضاح بعد الإبهام والتفصيل بعد الإجمال إيراد له في صورتين مختلفتين ومنها ذكر الاستغناء وذلك مما يدل على المقت والسخط والخذلان.