ولكن بالمعنى لأنه يعلم أنّ من لوازم اصطفاء شيء أن يكون مختارا على جنسه، وجنس هؤلاء المصطفين العالمون.
وكقوله: {وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ} [يس: 37]
قال ابن أبي الإصبع: فإنّ من كان حافظا لهذه السورة، متفطّنا إلى أن مقاطع آيها النون المردفة، وسمع في صدر الآية انسلاخ النهار من الليل، علم أنّ الفاصلة {مُظْلِمُونَ} لأنّ من انسلخ النهار عن ليله أظلم.
أي: دخل في الظلمة، ولذلك سمّي: توشيحا، لأنّ الكلام لما دلّ أوله على آخره نزّل المعنى منزلة الوشاح، ونزّل أول الكلام وآخره منزلة العاتق والكشح اللذين يحوّل عليها الوشاح.
{فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36) }
{وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى} فإنّ الأصل: (وليس الأنثى كالذكر) .
وإنّما عدل عن الأصل لأنّ المعنى: (وليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت) .
وقيل: لمراعاة الفواصل، لأنّ قبله: {إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثى} .
{إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) }
قال الزركشيّ في «البرهان» : للاختلاف أسباب:
أحدها: وقوع المخبر به على أنواع مختلفة وتطويرات شتّى، كقوله في خلق آدم: {مِنْ تُرَابٍ} .
ومرة: {مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ} [الحجر: 26 و28 و33] .
ومرة: {مِنْ طِينٍ لَازِبٍ} [الصافات: 11] .
ومرّة: {مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ} [الرحمن: 14] .
فهذه ألفاظ مختلفة، ومعانيها في أحوال مختلفة لأن الصلصال غير الحمأ، والحمأ غير التراب، إلّا أنّ مرجعها كلها إلى جوهر، وهو التراب، ومن التراب درجت هذه الأحوال.