وفي إيثار الرؤيةِ على الملاقاة وتقييدِها بالنظر مزيدُ مبالغةٍ في مشاهدتهم له، والفاءُ فصيحةٌ كأنه قيل: إِن كُنتُمْ صادقين في تمنيكم ذلك فقد رأيتُموه معاينين له حين قُتل بين أيديكم مَنْ قُتل من إخوانكم وأقاربكم وشارفتم أن تُقتلوا فلِمَ فعلتم ما فعلتم، وهو توبيخٌ لهم على تمنِّيهم الحربَ وتسبُّبهم لها ثم جُبنِهم وانهزامِهم، لا على تمني الشهادةِ بناءً على تضمُّنها لغلَبة الكفارِ لما أن مطلبَ من يتمنّاها نيلُ كرامةِ الشهداءِ من غير أن يخطُر بباله شيء غيرُ ذلك فلا يستحِقُّ العتابَ من تلك الجهة.
{أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ... (144) }
وإيرادُ الموتِ بكلمة {إنْ} مع علمهم به اْلبتةَ لتنزيل المخاطبين منزلةَ المتردِّدين فيه لما ذُكر من استعظامهم إياه، وهكذا الحالُ في سائر المواردِ فإن كلمةَ {إنْ} في كلام الله تعالى لا تجري على ظاهرها قطُّ ضرورة علمِه تعالى بالوقوع أو اللاوقوعِ بل تُحملُ على اعتبار حالِ السامعِ أو أمرٍ آخرَ يناسب المقامَ، وتقديمُ تقديرِ الموتِ مع أن تقديرَ القتلِ هو الذي ثار منه الفتنةُ وعظُم فيه المحنةُ لِما أن الموتَ في شرف الوقوعِ فزجرُ الناسِ عن الانقلاب عنده وحملهم على التثبيت هناك أهمُّ، ولأن الوصفَ الجامعَ بينه وبين الرسلِ عليهم السلام هو الخلوُّ بالموت دون القتل.
{سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ (151) }
{سلطانا} أي حجةً سمِّيت به لوضوحها وإنارتها أو لقوّتها أو لحِدّتها ونفوذِها وذكرُ عدمِ تنزيلِها مع استحالة تحققِها في نفسها من قبيل قوله... وَلاَ تَرَى الضبَّ بها ينجر ...
أي لاضب ولا انحجار، وفيه إيذانٌ بأن المتَّبعَ في الباب هو البرهانُ السماويُّ دون الآراءِ والأهواءِ الباطلة.