«فَإِنْ قِيلَ» : هذا مضارع مثبت، فكيف دخلت عليه الواو؟
فالجوابُ: أن هذه واو العطف، والممنوع إنما هو واو الحال.
{رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192) }
قال الواحديُّ: الإخزاء - في اللغو - يَرِدُ على معانٍ يقرب بعضُها من بعض.
قال الزَّجَّاجُ: أخْزَى الله العدُوَّ: أي: أبعده.
وقال غيره: أخزاه اللهُ: أي: أهانه.
وقال شمر: أخزاه اللهُ: أي: فضحه، وفي القرآن: {وَلاَ تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي} [هود: 78] .
وقال المفضَّلُ: أخزاه الله: أي: أهلكه.
وقال ابنُ الأنباري: الخِزْي - في اللغة - الهلاك بتلف أو انقطاع حجة، أو وقوع في بلاء، وكل هذه الوجوه متقاربة.
وقال الزمخشريُّ: «فَقَدْ أخْزَيْتَهُ» أي: أبلغت في إخزائه.
(فصل)
قالت المعتزلةُ: هذه الآيةُ دالةٌ على أن صاحب الكبيرةِ - من أهل الصَّلاةِ - ليس بمؤمن؛ لأن صاحب الكبيرة إذا دخل النار فقد أخزاهُ اللهُ؛ لدلالة هذه الآية، والمؤمن لا يخزى؛ لقوله تعالى: {يَوْمَ لاَ يُخْزِى الله النبي والذين آمَنُواْ مَعَهُ} [التحريم: 8] فوجب من مجموع هاتين الآيتين ألا يكون صاحب الكبيرةِ مؤمناً.
والجواب أن قوله: {إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ} لا يقتضي نفي الإخزاء مطلقاً، وإنما يقتضي ألا يَحْصُلَ الإخزاءُ في وقتٍ آخَرَ.
وأجاب الواحديُّ في «البسيط» بثلاثة أجوبةٍ أُخَرَ.
أحدها: أنه نقل عن سعيد بن المُسَيَّبِ، والثوري، وقتادة، أن قوله: «فَقَدْ أخْزَيْتَهُ» مخصوصٌ بمن يدخل النّارَ للخلودِ. وهذا الجوابُ ضعيفٌ؛ لأن مذهبَ المعتزلةِ أنّ كلَّ فاسقٍ دخل النَّارَ، فإنَّما يدخلها للخلودِ فيها.
وثانيها: أن المُدْخَل في النار مخزًى في حال دخوله، وإن كان عاقبته أن يخرج منها. وهذا - أيضاً - ضعيفٌ؛ لأنَّ نفي الخِزْي عن المؤمنين على الإطلاق، وهذه الآيةُ دلت على حصول الخِزْي لكل من دخل النّارَ، فحصل بحُكم هاتين الآيتين - بين كونه مؤمناً، وبين كونه كافراً - من يدخل النار - منافاةٌ.