ومنها: أن يصير القلبُ - بذلك الإنفاقِ - فارغاً من حُبِّ ما سوى اللهِ تَعَالَى.
ومنها: أنه لو ترك الإنفاق لبقي حُبُّ المالِ في قلبه، فتتألم روحه لمفارقته.
قوله: {وَقَتْلَهُمُ الأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ}
أي: ونكتب قتلهم، أي: رضاهم بالقتل، والمراد قتل أسلافهم الأنبياء، ولكن لما رضوا بذلك صحت الإضافة إليهم، حسّنَ رجل عند الشعبي قتلَ عثمانَ، فقال الشعبي: قد شركت في دمه، فجعل الرضا بالقتل قتلاً، قال القرطبيُّ: وهذه مسألة عظمى، حيثُ يكون الرضا بالمعصية معصية، وقد روى أبو داود عن العُرس بن عُمَيْرة الكِنديّ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال:
«إذَا عُمِلَتِ الْخَطِيئَةُ فِي الأرْضِ كَانَ مِنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا - أو فَأنْكَرَهَا - كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، ومَنْ غَابَ فَرَضِيَها كَانَ كَمَن شَهِدَها» وتقدم الكلام على إضافة قتل الأنبياء إلى هؤلاء الحاضرين.
والفائدةُ في ضَمِّ أنهم قتلوا الأنبياء إلى وصفهم الله تعالى بالفقر بيان أن جَهْلهم ليس مخصوصاً بهذا الوقت، بل هم - منذ كانوا - مُصِرُّون على الجهالات والحماقات.
ثم قال: {وَنَقُولُ ذُوقُواْ عَذَابَ الحريق} أي: النار، وهو بمعنى المُحْرَق - كالأليم بمعنى المُؤلم - وهذا القول يحتمل أن يقال لهم عند الموت، أو عند الحشر، إن لم يكن هناك قَوْلٌ.
{ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (182) }
«فَإِنْ قِيلَ» : إن «ظلاماً» صيغة مبالغة، تقتضي التكثير، فهي أخص من «ظالم» ، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم، فإذا قلت: زيد ليس بظلامٍ، أي: ليس كثير الظُّلم - مع جواز أن يكون ظالماً وإذا قُلْتَ: ليس بظالم، انتفى الظلم من أصله فكيف قال تعالى: {لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ} ؟
فالجوابُ من وجوهٍ:
الأول: أن «فَعَّالاً» قد لا يُراد به [التكثير] ، كقول طرَفة: [الطويل]
1702 - وَلَسْتُ بِحَلاَّلِ التِّلاَعِ مَخَافَةً ... وَلكِنْ مَتَى يَسْتَرْفِدِ الْقَوْمَ أرْفِدِ