فالجوابُ: أنه لما اختلف المتعلَّقان حسنَ اختلافُ لفظَيْهما. ثم قال: {والله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور} أي: الأسرار والضمائر؛ لأنها حالَّةٌ فيها، مصاحبة لها، وذكر ذلك ليدل به على أن ابتلاءه لم يكن لأنه يَخْفَى عليه ما في الصدور وغيره - لأنه عالم بجميع المعلومات - وإنما ابتلاهم لمَحْض الإلهية.
{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى ... (156) }
المراد بالضَّرْبِ: السفر البعيد، وقوله: «غُزًّى» هم الغُزَاة الخارجون للجهاد، فكان المنافقونَ يقولون - إذا رَأوْا مَنْ مات في سفر أو غزو -: إنما ماتوا، أو قتلوا بسبب السفر والغزو، وقصدهم بذلك تنفير الناس.
«فَإِنْ قِيلَ» : لم ذكر الغزو بعد الضرب في الأرض - وهو داخل فيه؟
فالجوابُ: أن الضرب في الأرض يرادُ به السفر البعيد، لا القريب، إذ الخارج من المدينة إلى جبل أحدٍ لا يوصف بأنه ضارب في الأرض، وفي الغزو لا فرق بينه وبين قريبه وبعيده، فلذلك أورد الغزو عن الضرب في الأرض.
قوله: {والله يُحْيِي وَيُمِيتُ}
فيه وجهان:
الأول: أن المقصود منه بيان الجواب عن شُبْهَة المنافقين، وتقريره: إن المحيي والمميت هو اللهُ تعالى، ولا تأثير لشيء آخر في الحياةِ والموتِ، وأن علمَ اللهِ لا يتغير، وأن حُكْمَه لا ينقلب، وأن قضاءه لا يتبدَّل، فكيف ينفع الجلوس في البيت من الموت؟
«فَإِنْ قِيلَ» : أن كان القولُ بأنّ قضاءَ اللهِ لا يتبدل يمنع من كون الجِدِّ والاجتهاد مفيداً في الحذر عن القتل والموت، فكذا القول بأن قضاءَ اللهِ يتبدَّل، وجب أن يمنع من كون العمل مفيداً في الاحتراز عن عقاب الآخرة، وهذا يمنع من لزوم التكليفِ. والمقصود من الآياتِ تقرير الأمر بالجهاد والتكلف، وإذا كان كذلك، كان هذا الكلام يُفْضي ثبوته إلى نفيه؟
فالجَوابُ: أن حُسْنَ التكليف - عندنا - غير مُعَلَّل بِعِلَّة ورعاية مصلحة، بل اللهُ يفعل ما يشاءُ، ويحكمُ ما يريد.